أغاثا كريستي: السمّ بوصفه بطلاً

يُحتفل هذا العام بخروج "قضية ستايلز الغامضة"؛ أولى روايات الكاتبة البريطانية (1890 – 1976) إلى النور، والتي صدرت في لندن في تشرين الأول/ أكتوبر قبل مئة سنة، واستمدّت مناخاتها من تجربتها في الحرب، حيث ابتكرت شخصية ضابط شرطة بلجيكي سابق.

أغاثا كريستي: السمّ بوصفه بطلاً

في عام 1908، أخفقت أغاثا كريستي في إقناع ستّة ناشرين بإصدار أول رواية كتبتها بعنوان "ثلوج على الصحراء"، واستمرت حياتها بالرتابة عبر انخراطها بأنشطة اجتماعية وتقديم مسرحيات بالتعاون مع عدد من صديقاتها، كما التحقت متطوعة بالصليب الأحمر خلال الحرب العالمية الأولى.

يُحتفل هذا العام بخروج "قضية ستايلز الغامضة"؛ أولى روايات الكاتبة البريطانية (1890 – 1976) إلى النور، والتي صدرت في لندن في تشرين الأول/ أكتوبر قبل مئة سنة، واستمدّت مناخاتها من تجربتها في الحرب، حيث ابتكرت شخصية ضابط شرطة بلجيكي سابق برأس بيضاوي وشاربين لافتين اسمه هيركيول بوارو.

بوارو سيظهر في عدد من روايات كريستي، التي حوّلت إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية وإذاعية وكرتونية شاهدها مئات الملايين حول العالم، ليجلب لها شهرة وأرقام مبيعات عالية لم تكن تتوقّع أنها ستضعها في المرتبة الثانية بعد شكسبير في بلادها.

بدأت كتابة عملها البوليسي الأول عام1916، وعرضته خلال العامين التاليين على دور نشر عدّة رفضته لأسباب مختلفة، قبل أن توافق "منشورات جون لَيْن" شريطة أن تغيّر تسلسل الأحداث لكشف سرّ الجريمة التي تسبّبت بمقتل إيميلي كافيندش، التي ورثت ثروة هائلة عن زوجها بعد رحيله لتتزوّج من ألفريد إنغلثروب، حيث يكتشف المحقّق بوارو أن الأخير سمم زوجته عن طريق وضع البروميد في دوائها الذي اعتادت تناوله.

بعد قرنٍ من ظهور الشخصية الروائية الأشهر في القرن العشرين، تصدر طبعة جديدة من "قضية ستايلز الغامضة"، تتضمّن فصلاً محذوفاً مسبقاً ومقالًا تمّ اكتشافه حديثاً بعنوان "السموم وقصص التحقيق البوليسي" تروي فيه كريستي مصادر إلهامها في القضية الأولى التي حقّق فيها بوارو.

يشير المقال إلى معرفة صاحبة رواية "جريمة في قطار الشرق السريع" (1934) إلى امتلاكها معرفة معمّقة بتركيب أنواع متعدّدة من السمّ بفعل خبرتها كمساعدة صيدلي في الحرب العالمية الأولى، وظّفتها من خلال مجموعة غير عادية من هذه العقاقير، التي كانت تعلم جيداً وصفها وتركيبتها وعدد مرات استخدامها حتى تقضي على شخص يراد تسميمه.

كما يوضّح الباحثون كيف واكبت كريستي خلال مشوارها الكتابي الممتدّ أكثر من خمسين عاماً، التغيّرات الهائلة في صناعة الأدوية، حيث تراجع استعمال مركبّات الستركنين والزرنيخ طبياً، وازداد الاعتماد على وصفات الباربيتورات بشكل مضطرد، حيث اختارت في روايتها الأولى سمّاً يتكون من ثلاثة مركّبات كيميائية وليس واحدا.

ورغم أنها قدّمت روايات متعددة لقتل مئات الشخصيات في أعمالها، سواء غرقاً أو طعناً بالسكين وغيرها من أدوات القتل باستثناء الأسلحة النارية التي اعترفت بأنها لا تفقه من أمرها شيئاً، إلا أن زجاجة سّم مناسبة كانت أهمّ أدواتها لصنع جريمة مثالية ولغز يحيّر القراء والنقاد على حد سواء، قبل أن تسعف قدرات استثنائية المحقّق هيركيول من أجل حلّه.

كانت "القضية الغامضة في ستايلز" بداية لمهنة طويلة وناجحة بشكل كبير في خيال الجريمة التي تتحضّر أسرارها في مختبر كيميائي، حتى أنها تشكّل نموذجاً مثالياً ليدرسه طلاّب الصيدلة، حيث اهتمامها بأدق التفاصيل قادها إلى كتابة حبكة متقنة، ولكنها راكمت في الوقت نفسه كتيباً يساعد العديد من القتلة المحتملين في ارتكاب جرائمهم.