الآثار السياسية للوباء ستستمر لفترة أطول منه.. هل تكون جائحة كورونا نهاية “الترامبية”؟

ربما يذهب معظمنا إلى أن أزمة فيروس كورونا المستجد ستنتهي قريباً: خلال ستة أشهر.. عام؟ وسيبدأ الأمر في التبدد في أذهاننا حتى يبدو كما لو أنه كان لحظة هلوسة ما. ربما سيكون مثل إعصار أجبر الجميع على الاندفاع إلى الداخل، ثم اختلاس نظرة إلى الساحل من بعيد. أو ربما سيكون مثل إعصار ضرب واكتسح بالفعل، […]

الآثار السياسية للوباء ستستمر لفترة أطول منه.. هل تكون جائحة كورونا نهاية “الترامبية”؟
ربما يذهب معظمنا إلى أن أزمة فيروس كورونا المستجد ستنتهي قريباً: خلال ستة أشهر.. عام؟ وسيبدأ الأمر في التبدد في أذهاننا حتى يبدو كما لو أنه كان لحظة هلوسة ما. ربما سيكون مثل إعصار أجبر الجميع على الاندفاع إلى الداخل، ثم اختلاس نظرة إلى الساحل من بعيد. أو ربما سيكون مثل إعصار ضرب واكتسح بالفعل، غير أنه حتى حينها، وبحكم الطبيعة البشرية، فإن معظم الناس سيزيلون الأنقاض ويمضون قدماً. لكن مع ذلك، وبغض النظر عن مدى تفشي تلك الجائحة، أو سرعة انتشارها، فإن أغلب الظن أن تلك الأسابيع الغريبة غير المسبوقة من ملازمة الناس لمنازلهم ستشهد ميلاد حقبة سياسية جديدة، كما يقول جون هاريس، الصحفي والسياسي الأمريكي، ومؤسس موقع  Politico الأمريكي. ما الآثار السياسية المتوقعة؟ يقول هاريس: ثمة سببان بارزان للاعتقاد بأن الآثار السياسية لتلك الأزمة ستستمر لفترة أطول بكثير من الأزمة ذاتها. الأول هو أن عدداً كبيراً من الناس الأكثر تأثراً في توقعاتهم وتعرضاً للانقلاب في أنماط حياتهم بهذه الجائحة هم من الطلاب، إذ الأرجح أن يُفضي الانقطاع، وفي بعض الأحيان الفقدان الذي لا يمكن تعويضه، لتجارب مهمة في تعليمهم، بعد إغلاق الجامعات وحرمانهم من خبرات لا يمكن وصفها بسبيل آخر، إلى تشكيل وعيهم بطرق أكثر ديمومة مما هو عليه الأمر بالنسبة إلينا. ومثل معظم الكوارث، ستقع العواقب الخبيثة لتلك الجائحة أشد ما ستقع على المحرومين. وإن كانت هذه المرة على خلاف معظم الكوارث، يدفع حسابها الثقيل بعض القطاعات الأكثر تمتعاً بالامتيازات. وطلاب السنة الأخيرة من الجامعة هؤلاء، الذين فقدوا فجأة فصلهم الدراسي الأخير واحتفالات تخرجهم والتجارب الأخيرة التي ينطوي عليها ذلك، يضمون بينهم عديداً من الأشخاص الذين هم قادة المستقبل في القطاعين العام والخاص.  يضيف هاريس: ولا، أنا لا أقول إنها نهاية العالم بالنسبة إليهم. لكنها خسارة كبيرة مع ذلك، أن يدفع الإنسان ثمن انتفاع جيل آخر أكبر سناً وأقل صحة منه، على حساب الحماية الذاتية المجردة لنفسه. والأشد خطورةً أنه من المرجح أن تماثل الديناميكيات السائدة في تلك اللحظة التي يعصف بها فيروس كورونا بالعالم ديناميكيات قضايا السياسة العامة الكبرى التي ستهيمن على الجيل القادم. خاصةً أن الوباء العالمي والخيارات الصعبة التي يفرضها –على نحو من المرجح أن يكون أكثف تركيزاً في الأشهر القادمة- يماثل إلى حد كبير الخيارات ذاتها التي تفرضها الاستجابة للتغير المناخي العالمي (الذي لا يتعامل معه ترامب باستخاف أيضاً) خلال العقود القادمة. والتغير المناخي، مثله مثل حالة الطوارئ التي يفرضها تفشي فيروس الكورونا، مشكلةٌ ذات أبعاد  تمتد إلى حدٍّ كبير باتساع الحقول العلمية وخبرائها، وتوظيف نماذج البيانات المعقدة فيها يهدف إلى إلقاء الضوء على الاتجاهات التي ستتخذها المشكلة في المستقبل على نحوٍ يمكن للمواطن العادي فهمه بمفهومه الواسع، لكن ليس بالتفصيل. والسؤال الأساسي الذي عليه مدار الأمر هنا: هل تثق بهؤلاء الخبراء أم لا؟ الخسائر الاقتصادية تفرض أثماناً سياسية  في حالة فيروس كورونا، على سبيل المثال، يفرض الإغلاق الاقتصادي الذي تقتضيه حالة التباعد الاجتماعي أثماناً فورية، ومن المحتمل أن تراها بالفعل الآن في محيطك: تسريح عامل تعرفه، حالة انعدام اليقين بشأن الدخل مستقبلاً، المخاوف بشأن حالة الكساد التي بدأت تصيب الأعمال التجارية بالقرب منك.  وفي الوقت نفسه، فيما يتعلق بالمنافع، فلا أحد يعرف، فهي بالتأكيد ليس الآن، ولعلها لن تكون أبداً. وربما لن تكون الاستجابة الهائلة فعالة حقاً، ويتكشف الأمر عن كارثة صحية عامة تضرب الجميع على أي حال. أو ربما يمضي الوقت وتبدو الاستجابة الحالية مبالغاً فيها في المستقبل. ومع ذلك فإن موضوع التغير المناخي يشهد حالةَ توترٍ أكثر حدة بكثير بين عواقب مؤكدة مباشرة -سواء أكانت دفع ضريبة الكربون في الوقود أو كانت تغيير العادات الاستهلاكية فعلياً- لسلوكيات ستتحقق فوائدها على الفور أو في المستقبل البعيد. أمَّا المنافع التي ستأتي عن التغييرات العميقة والشاملة اللازمة لاستبدال الاقتصاد المعتمد على الكربون ووقف ارتفاع درجة حرارة الكوكب، فيأمل المرء أن يتمتع بها في المقام الأول الأشخاصُ الذين لم يُولدوا بعد. وأخيراً، بطبيعة الحال، يماثل فيروس كورونا مسألة التغير المناخي في أنه لا يكترث بالحدود الوطنية ولا تمنعه. تأثير كورونا على الظاهرة الترامبية تتمثل إحدى الطرق التي يمكننا بها قياس قوة هذه التيارات -المتعلقة بأزمةٍ تقوم على توقعات علمية مخيفة- في متابعة تغيرات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.  إذ على الرغم من أنه ليس ثمة طريقة للتأكد من تأثير انتشار فيروس كورونا في حملة إعادة انتخابه، فإن الأمر الواضح بالفعل هو تأثير ذلك الفيروس في الظاهرة “الترامبية” [والترامبية لها عدة تعاريف، فهي بحسب قاموس كولينز الإنجليزي: السياسات التي ينادي بها دونالد ترامب، وخاصة تلك المنطوية على رفض المؤسسات السياسية القائمة، والهوس بالمصالح القومية للولايات المتحدة، ويعرّفها القاموس الأوروبي بأنها حركة اجتماعية سياسية تقوم على مزيجٍ من عناصر عديدة أبرزها العنصرية والتعصب الديني وإهانة المرأة وترهيب الصحافة والتذبذب الاقتصادي وإنكار النتائج العلمية وصناعة الكراهية]. فقد دفعت الأزمة الناجمة عن انتشار الفيروس بهذه الظاهرة إلى التراجع. والترامبية كفكرة تدور بالأساس حول الترويج لمفاهيم السيادة والتفرد الأمريكي وتعزيزها. وفي بعض السياقات، حتى خصوم ترامب قد يتفقون معه على أنها فكرة جذابة: حسناً، دعنا نغلق حدودنا في مواجهة الفيروس. ومع ذلك، فإن الطريقة الوحيدة التي سيكون بها خيار كهذا فعالاً هي لو كانت الولايات المتحدة قد اختارت قبل سنوات أن تقطع صلاتها بالعالم الاقتصادي الحديث القائم على التداخل والتكامل بين أطرافه. نعم، ظهر فيروس كورونا لأول مرة في الصين. لكن، في الوقت نفسه، كم عدد الأشخاص الذين علموا فقط في الأسابيع القليلة الماضية أن جميع المضادات الحيوية الأمريكية تقريباً تأتي هي أيضاً من الصين. أما الترامبية نمطاً فهي لا تقوم فقط على التباهي والتبجح، وإنما تعتمد النزعة الترامبية الانتصارية أيضاً على إبراز اليقين الكامل. فقد تصرف الرئيس الأمريكي في البداية كما لو كان يستطيع بالفعل خلقَ الواقع بمجرد الإعلان عنه، وذلك عندما أكد للجمهور أن عدد الإصابات بالفيروس بين الأمريكيين ستنخفض قريباً إلى الصفر. مع ذلك، وفي الأيام الأخيرة فقط، بعد تزايد احتمالية انتشار المرض محلياً، عاد ترامب ليعترف بعدم الدقة، وذلك بحكم الافتقار إلى فهم كامل لطبيعة الفيروس، أو مدى فاعلية الجهود المبذولة للتخفيف من حدة انتشاره، أو متى يمكن القول بأن هذه الجهود كانت كافية. وإحدى الطرق التي يمكن من خلالها تقدير مدى ضبابية أوضاعنا، والآثار الأخلاقية لهذه الضبابية، تتمثل في النظر إليها من خلال عيون الشباب ومنظوراتهم. “إننا جميعاً في هذا الأمر معاً” يقول هاريس إن جائحة فيروس كورونا لا تبدو عند النظر من بعيد بكارثية وعنف صدمةٍ كصدمة هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. ومع ذلك، فلعديد من الأشخاص، سيشتد التأثير الفعلي للفيروس وطأة يوماً بعد يوم، وسيصعب عليهم تقبله أكثر فأكثر. وقد جاء في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول فترةٌ، اتضح بعد ذلك أنها كانت قصيرة العمر، من التلاحم الوطني وحسن النوايا بين الناس وبعضهم. ومن المؤكد أن ترامب، الذي لطالما سخر من خصومه وتبادل الإهانات معهم، لم يستجلب التعاطف معه من كثير من الجهات خلال الدعوة التي وجهها من البيت الأبيض: “لكننا جميعاً في هذا الأمر معا!”. في النهاية، حملة التقليل من المخاطر المحتملة الناجمة عن تفشي فيروس كورونا التي قادها ترامب خلال الفترة الماضية، ستستمر آثارها لوقت طويل، أطول مما يعتقده ترامب نفسه، وقد يكون بدايتها خسارته لرئاسته، وانحسار الظاهرة الترامبية.