الباحث عن البهجة والروَقان (1/2)

بالنسبة لي يرتبط الموسيقي والممثل والمذيع حسين الإمام رحمه الله بمعنى البحث عن البهجة، فلا أتذكره إلا بوصفه الشخص المشع المتوهج النابض بالحياة والحيوية الراغب في الإفلات من فخاخ الدنيا ونكدها المباغت..

الباحث عن البهجة والروَقان (1/2)

"مين فينا جاي مرساها مين رايح.. لحظة ميلاد الفرح كان في حبيب رايح.. يا أبو الروايح يا نرجس.. ما تجس وتر القدر.. تلقى حكايات البشر.. فيها عبير العبر صادح".

حين تخطر على بالي سيرة كاتب أو فنان تشرفت بصداقته، أتذكر هذه الأبيات الجميلة التي كتبها الشاعر فؤاد حجاج وخلدها في ذاكرتنا الموسيقار العظيم عمار الشريعي، وأستعيد أحياناً سماعها بصوت أنغام الجميل ممتلئاً بحنين إلى من رحل، ومسترجعاً ما جمعني به عبر شخصه أو فنه أو كتابته، ومتأملاً المعنى الذي كان يمثله وجوده في حياتنا، والعبرة التي ترك لنا عبيرها، حتى دون أن يقصد ذلك.

بالنسبة لي يرتبط الموسيقي والممثل والمذيع حسين الإمام رحمه الله  بمعنى البحث عن البهجة، فلا أتذكره إلا بوصفه الشخص المشع المتوهج النابض بالحياة والحيوية الراغب في الإفلات من فخاخ الدنيا ونكدها المباغت، كان كذلك في كل المرات التي رأيته فيها منذ أن عرفته، ليبدو لي أنه يشبه كثيراً الصورة التي كان يظهر بها في أغلب أعماله، بوصفه المبتهج المرح النابض بالحيوية، مع أنني حين بدأت معرفة الفنانين والكتاب عن قرب، أدركت كيف يمكن أن تختلف صورة فنان مبهج أو كاتب ساخر في حياته العادية عن الصورة التي يعرفها عنه الناس من خلال أعماله، لدرجة قد تجعلك تظنه مصاباً بانفصام في الشخصية، أو أن عفريت البهجة لا يتلبسه إلا حين يمثل أو يكتب ثم يفارقه طيلة الوقت، وعلى العكس كان حسين الإمام الذي كنت تشعر أنه تجسيد كامل لرباعية صلاح جاهين الجميلة: 
"أجمل ما فيها العشق والمعشقة
وشويتين الضحك والتريقة
شُفت الحياة ولفّيت لقيت الألذّ
تغييرها وده يعني التعب والشقا".

لا يمكن أن يجدك حسين الإمام متضايقاً أو في حالة عكننة، إلا وحاول أن يذكرك بأهمية البعد عن النكد، ليس بكلام نظري، ولكن باقتراح أكلات معينة يمكن أن تجعل مزاجك أروق، أو أماكن للسفر داخل أو خارج مصر لتغيير مودك، أو حتى على الأقل الاستماع إلى موسيقى معينة، أو مشاهدة أفلام ما يمكن أن تزيد من طاقتك الإيجابية، وهو كلام لو قاله لك أحد المتقعرين من هواة كتب التنمية الذاتية لسعيت إلى فشّ غلك فيه، لكنك كنت تتقبله وتتفاعل معه عندما يأتي من حسين الإمام الذي كان تجسيداً حياً وغير مزعج للبهجة.

حين قلنا له مرة إن ما يقوم به من نشر للبهجة في الفقرة اليومية التي ظل يقدمها لسنوات في برنامج (القاهرة اليوم)، حرام أن يظل مقصوراً على الميسورين من مشتركي قناة الأوربت فقط، وأنه لا بد من إنشاء وزارة للبهجة يكون هو وزيرها، ويقدم من خلالها ما يقدمه للناس من خلطة سحرية تجمع بين الموسيقى والأكل والبهجة واللعب والسخرية من الواقع الإجتماعي، لكنه قال ساخراً ومنبهاً إلى أن هدف تلك الوزارة سيموت كمداً وسط اللجان والإدارات والترقيات والحوافز والعلاوات، لتتحول إلى مصدر إضافي لتصدير النكد الذي كان يعتبره العدو الأخطر للمصريين، ولذلك لم تكن صدفة أن يرحل عن الدنيا في أيام كان فائض المصريين فيها من النكد كافياً للتصدير إلى سكان الأرض والكواكب المجاورة.

بعد انتهاء الحلقة أخذني حسين أنا وعلي رجب على جنب بعد أن انصرف أحمد حلمي، ليحدثنا عن خطورة الانفعال والعصبية على من يريد أن يعمل في الفن، وأن من أهم مفاتيح البقاء الطويل في الوسط الفني أن تتعلم دائما كيف تحافظ على هدوءك وتكتم انفعالاتك

بعد سنوات من متابعته كمعجب بمواهبه المتهددة، تعرفت شخصيا على حسين الإمام عام 1997 في كواليس مسرحية (باللو) التي كانت تعرض على مسرح مدينة نصر، حيث كانت قد بدأت صداقتي الوثيقة بالفنان الكبير صلاح السعدني أمد الله في عمره، وكنت أيامها أنتهي من عملي في صحيفة (الدستور) التي كنت سكرتيراً لتحريرها، وأذهب إلى المسرح لأسهر حتى الصباح في صحبة مكونة من صلاح السعدني وحسين الإمام ومحمود الجندي وحسن الأسمر وأشرف عبد الباقي وسماح أنور التي كانت قد حلت وقتها بديلة لإسعاد يونس، وحين بدأت بروفات مسرحية (ألابندا) التي كان ينتجها عصام إمام نفس منتج (باللو)، كان ينضم إلى الصحبة محمد هنيدي وعلاء ولي الدين الذين كانا يأتيان مع باقي فريق مسرحية (ألابندا) لسماع الألحان التي كان حسين يقوم بعملها لأغاني المسرحية، وكانت تلك السهرات تصل إلى قمة بهجتها حين يشارك فيها حسين الإمام بالغناء والعزف على جيتاره، لأكتشف قدرته الفريدة على أن يقوم بتلحين أي عبارة تلفت انتباهه في الجلسة، ليقوم بتحويلها إلى مطلع أغنية راقصة يكتب باقي كلماتها على الهواء، وهي الموهبة التي لمسها الكثيرون فيما بعد، حين تم استثمار مواهب حسين المتعددة في برنامج (القاهرة اليوم) الذي كان يقدم فيه فقرة ليلية يمزج فيها بين الطبخ والموسيقى والحوارات الخفيفة مع الضيوف والرد على اتصالات المستمعين، وهو ما تم باقتراح من المشرف العام على إنتاج أوربت في مصر المخرج طارق الكاشف، صديق حسين القديم وعضو فرقة طيبة التي كان قد أسسها حسين في السبعينات مع شقيقه مودي، والتي لم تشتهر أغلب أغانيها، بقدر ما اشتهرت فيما بعد بأنها الفرقة التي كان أحمد عز (تايكون الإحتكار والفساد) يعمل فيها أحيانا كلاعب درامز.

بعدها انقطعت علاقتي بحسين الإمام، ولم أره ثانية إلا في برنامج (القاهرة اليوم) الذي شاركت في إحدى حلقاته في ثاني أيام عيد الأضحى سنة 2003، وكنت قد ذهبت إلى البرنامج بصحبة الصديقين المخرج علي رجب رحمه الله والنجم أحمد حلمي للمشاركة في فقرة تحتفي ببدء عرض فيلم (صايع بحر) الذي كان ثاني بطولة مطلقة لأحمد حلمي، وكان ثالث فيلم أكتبه يظهر للنور بعد فيلمي (حرامية في كي جي تو) و (الباشا تلميذ). كانت تلك المرة الأولى التي ألتقي فيها بمذيع البرنامج عمرو أديب، وإن كنت قابلت زميلته نيرفانا إدريس في مناسبة سابقة تستحق الحديث لاحقاً.

قابلني عمرو أديب ليلتها بجفاء لم أفهم سره في البدء، لكني تذكرت بعد قليل أنني كنت قد كتبت عنه عام 1998 في صحيفة (الجيل) مقالة أسخر فيها منه حين بدأ عمله كمذيع، معتبرا أن ذلك محسوبية وفرضا له على المشاهد في نفس القناة التي يعمل فيها أخوه الأكبر عماد، (تطورت علاقتي بعمرو عبر السنين بشكل مركب يستحق أن يُروى في مناسبة أخرى)، وفور دقائق من بدء استضافتنا في الجزء الثاني من البرنامج كانت الحلقة قد تحولت إلى مناوشة حامية الوطيس، بعد أن أخذ عمرو يتهم الفيلم بتخريب أخلاق الشباب وتشجيعهم على ممارسة الجنس عبر حيل كان يفعلها بطل الفيلم وأصدقاؤه، لنتبادل أنا وعلي وحلمي الرد على اتهاماته للفيلم، لكن الأمر تطور فجأة حين اتهم عمرو الفيلم بأنه يشجع البنات المحجبات على خلع الحجاب، مستدلاً بوجود لقطة يسقط الإيشارب فيها من على رأس ياسمين عبد العزيز، فينظر لها حنتيرة بطل الفيلم بانبهار.

رد علي رجب عليه بانفعال، ورغم أن أحمد حلمي توتر من منحى الحوار الذي كان يظنه احتفاءً بالفيلم كما اتفق معه معدو البرنامج، فقد حاول أن يرد بهدوء مؤكداً على  أن الفيلم لا يدعو إلى خلع الحجاب، بدليل أن ياسمين ظلت ترتدي الحجاب حتى نهاية الفيلم، أما أنا، باندفاعي الذي ـ صدق أو لا تصدق ـ فقدت الآن كثيرا منه، قررت تحويل الموضوع إلى خناقة، لأقول لعمرو أديب إنني لا أدري منذ متى ظهرت عليه أعراض الغيرة على الحجاب أصلا، وأنه من العيب أن يتحدث بهذه السطحية والمغازلة لمشاعر الجمهور المتدين لتأليبه على الفيلم، خاصة أنه ابن السيناريست الكبير أستاذنا عبد الحي أديب الذي يمكن لأي مشاهد متطرف أن يتهمه بإفساد أخلاق الناس والتحريض على الرذيلة بأفلام مثل استاكوزا ومذكرات مراهقة وديسكو ديسكو، وهي أفلام أنفق عليه أبوه منها، وعليه إذا كان معنياً إلى هذه الدرجة بالفضيلة أن يعلن موقفه منها، حتى نصدق غيرته على الفضيلة.

تكهربت الأجواء، وقبل أن أستفيض أكثر في الحديث، قاطعتني نيرفانا إدريس معلنة استئناف النقاش بعد فاصل قصير نذهب بعده إلى فقرة المطبخ التي يقدمها الفنان حسين الإمام، وفور إعلان الفاصل تواصلت الخناقة من طرفي وطرف علي، في حين تحلى عمرو بالصمت ناظراً في أوراقه، ومكتفياً بابتسامة متوترة تحاول أن تبدو مستفزة، ليدخل حسين الإمام الاستديو، وقد بدا من طريقته المبالغة في الترحيب بنا، أنه أخذ قراراً بألا يستمر النقاش بهذا الشكل، حيث طلب من عمرو ونيرفانا أن يتركا له إدارة دفة الحوار عندما نعود ثانية على الهواء، ثم ينظر إلينا ضاحكاً وهو يقول: "سيبوني أرحب بصحابي بقى"، محاولا تهدئتي بتذكيري بجلسات مسرحية (ألابندا)، ومهدئاً علي رجب باستدعاء ذكريات العمل في أفلام كان علي يعمل فيها مساعداً لإيناس الدغيدي، كان من بينها فيلم (استاكوزا) الذي كنت قد أشرت إليه بشكل سلبي خلال حديثي الغاضب، قائلاً لي: "إوعى تكون غنوة استاكوزا مش عاجباك.. خد بالك هنغنيها سوا على الهوا".

بعد عودتنا على الهواء، كان المشهد مضحكا في بداية الفقرة، فالتوتر بادٍ على وجه الجميع، إلا نيرفانا ذات الوجه الذي لا تتغير انفعالاته أبداً، ومع ذلك أخذ حسين الإمام يحدث المشاهدين عن الخلاف الذي لا يفسد للود قضية وعن أن النقاش الساخن حول الأفلام يجب أن يدفع الجمهور لمشاهدة الأفلام والحكم عليها بنفسه، ولأنني لم أكن قد هدأت بعد، قمت بانتزاع الكلمة لأوضح أن الخلاف لم يكن حول رأي في جودة الفيلم أو رداءته، وإنما بإلصاق تهمة باطلة بالفيلم، ليرد حسين بأنه لم يفهم أن عمرو يقول ذلك كأنه حصل في الفيلم، بل ينقل رأياً سمعه من أحد، فيهز عمرو رأسه دون حماس، ليغير بعدها حسين الموضوع للحديث عن أغنية الفيلم التي اشتهرت بغنوة (يا علي) سائلا عن كاتب كلماتها، فيقول له علي أنها من كلمات شكري محجوب، وأنني أنا الذي اقترحت إدخال بيت "مكر مفر مقبل مدبر معاً" في مقدمتها، وبيت "أنا البحر في أحشائه" في المنتصف، ويطلب منا الاستماع إليها، وتحول النقاش خلال ما تبقى من الحلقة إلى حديث عن أغاني الأفلام والشعر الحلمنتيشي، وبدأ تلقي اتصالات المشاهدين التي تعلق على الطبق الذي كان يطبخه حسين، والذي لم أعد أذكر ماهو، لكني لا زلت أذكر أنه كان خارقا للعادة في جماله، ككل الأطباق التي ذقتها بعد ذلك في مشاركاتي في البرنامج كضيف، ثم كمشارك في التقديم لفترة قصيرة.

بعد انتهاء الحلقة أخذني حسين أنا وعلي رجب على جنب بعد أن انصرف أحمد حلمي، ليحدثنا عن خطورة الانفعال والعصبية على من يريد أن يعمل في الفن، وأن من أهم مفاتيح البقاء الطويل في الوسط الفني أن تتعلم دائما كيف تحافظ على هدوءك وتكتم انفعالاتك، وصولا إلى مرحلة لا تأتي إلا بالخبرة والممارسة، وهي أن تقوم بتحويل أي موقف يغضبك إلى مثار للسخرية بينك وبين نفسك، ولا تعطي أي شخص فرصة أن يراك غاضباً أو منفعلاً، لأنه سيدرك أن الانفعال نقطة ضعفك، ولو كان يكرهك سيستغلها بعد ذلك لمصلحته، وأن أكبر انتصار على من يرغب في جعلك تنفعل أن تحرمه من رؤية غضبك، وهو كلام جميل أعترف أنني فشلت في تطبيقه لسنوات طويلة، لأنني لم أتمكن من تغيير طبيعتي التي تسعى للتعبير عن انفعالاتها في التو واللحظة، ولعلي حين أنجح في تغيير ذلك في ما بقي من عمر، أهدي نجاحي في ذلك إلى روح حسين الإمام رحمه الله.

...

نكمل غداً بإذن الله