الباحث عن البهجة والروَقان (2/2)

تحمست لفكرة العمل مع حسين الإمام، ولتحدي إنتاج شكل جديد لبرنامج كوميدي ناجح، وأذكر أننا بعد أكثر من فكرة، بدأنا نعمل على فكرة كاميرا خفية قائمة على فكرة استضافة النجم في بيت عادي، على طريقة برنامج (في بيتنا نجم) الشهير.

الباحث عن البهجة والروَقان (2/2)

بعد تلك الواقعة بعام، اتصل بي المنتج الفني أسامة الخشاب الذي كان يعمل في شركة طارق نور للإعلانات، ليدعوني لاجتماع للتحضير لعمل جديد من بطولة حسين الإمام، وكان حسين وقتها في قمة نجاحه بعد أن أنجز في عامين متتاليين برنامجي الكاميرا الخفية الشهيرين (حسين على الهوا) و (حسين في الاستديو).
كنت أتخيل أنني مدعو لكتابة فيلم سينمائي، فلم أكن قد كتبت مسلسلات تلفزيونية وقتها، لكنني فوجئت بأنني مدعو لاجتماع يضم طارق نور وحسين الإمام والشاعر محمد ناصر الذي كنت أحب له أغنية (إن ما قدرتش تضحك ما تدمعهش) التي غناها أحمد زكي في فيلم (هستيريا)، والذي كان صديقاً مقرباً لحسين، وكانت تجمعهما ـ كما علمت يومها ـ العديد من المشاريع الغنائية والسينمائية التي كتبها محمد ولم تجد طريقها للنور، وعرفت في الإجتماع أنهم قرروا الإستعانة بكاتب سيناريو له أفلام كوميدية، لكتابة سيناريو حلقات برنامج كاميرا خفية جديد لحسين الإمام، يفترض فيه أن يواصل النجاح الساحق لسابقيه.
تحمست لفكرة العمل مع حسين الإمام، ولتحدي إنتاج شكل جديد لبرنامج كوميدي ناجح، وأذكر أننا بعد أكثر من فكرة، بدأنا نعمل على فكرة كاميرا خفية قائمة على فكرة استضافة النجم في بيت عادي، على طريقة برنامج (في بيتنا نجم) الشهير، وأن يكون حسين مستضافا في كل حلقة مع ممثل مختلف، ويحدث خلال تصويرهما الحلقة موقف كوميدي، وبدأت في العمل، وقمت بكتابة أفكار لحلقات عديدة، وحضرت أكثر من جلسة مع فريق العمل، ثم اعتذرت عن المواصلة بسبب انشغالي في كتابة فيلم لكريم عبد العزيز، ولم تجد الفكرة طريقها إلى النور، ليتم بدلا منها تنفيذ فكرة (حسين على الناصية) التي لم تلق ذات نجاح البرنامجين السابقين، مع أن حسين كان يعلق على نجاحها آمالا كبيرة، لأنه كما قال لي، كان ينوي بعدها التوقف عن تقديم البرامج التلفزيونية، واستغلال نجاحه التلفزيوني الساحق في تنفيذ أحلامه السينمائية التي كانت دائما الأحب والأقرب إلى قلبه، خاصة أنه كان محبطاً من فشل تجربتي (أشيك واد في روكسي) و (كذلك في الزمالك) الذين شارك في تأليفهما وقام بإنتاجهما، وكان يرى أنه لن يتعاون بعدهما مع مخرجين، بل سيقوم هو بالإخراج، لأن الرؤية المطرقعة ـ حسب تعبيره ـ التي يقدمها على الورق كانت تخرج بشكل مختلف على الشاشة، وإن كان يرى في نفس الوقت بشكل دفاعي، أن الفيلمين كان مستواهما أفضل بكثير من أفلام أخرى أضعف بكثير وحققت النجاح، بسبب وقوف الموزعين خلفها في دور العرض.  

ترك حسين الإمام خلفه حباً جارفاً تحمله قلوب زوجته وأسرته وأصدقائه وجمهوره، وأعمالاً فنية مبهجة

 

خرجت من تلك التجربة القصيرة مستمتعاً بفرصة الاقتراب أكثر من شخصية حسين الإمام المحبة للحياة، والذي تتحول أي جلسة معه إلى خلطة سحرية من الكلام عن المزيكة والأكل وذكريات والده الفنية والمدن التي سافر إليها وينصح بالسفر إليها، وكان يأسرني دائما بطريقته الفريدة في التعليق الساخر على الأحداث والشخصيات، بشكل يطلق ضحكات الجميع الصاخبة، في حين يبقى هو هادئاً ومحتفظاً بابتسامته العريضة الشهيرة.
على سبيل المثال، أذكر أننا كنا نتحدث يومها عن فنانة لمعت وقتها بقوة بسبب مواهبها الجسدية، فقال لنا فجأة أنه كلما رأى هذه الفنانة يشعر بالحزن على طنط فلانة الخياطة التي كانت تسكن تحت بيت والده، لأن بنتها نسخة من هذه الفنانة، وأنه يتصور مع كل إذاعة لأغنية تلك الفنانة أن طنط فلانة تشعل فوراً خناقة مع بنتها لأنها لم تستغل مواهبها بالشكل المناسب، منتقلا على الفور للحديث عن علاقة فلانة الخياطة بوالده المخرج الكبير حسن الإمام حيث كانت تعلق على ملابس بطلات أفلامه فيستمع والده لها باهتمام، لينتقل الحديث إلى ذكرياته مع والده الذي كان سعيدا بإعادة اكتشاف أعمال كثيرة له مع انتشار الفضائيات التي تقوم بعرض أفلام الأبيض والأسود، ثم يتحدث عن أحلامه السينمائية بمواصلة العديد من المشاريع التي لم يكملها والده، أو تقديم أجزاء ثانية من بعض أفلام والده، أو إعادة كتابتها في نسخات معاصرة كما تفعل السينما الأمريكية مع الأفلام القديمة، وهو ما حققه بشكل ما حين حقق حلمه القديم في الإخراج، وقام بإعادة توليف مشاهد من أفلام والده المملوكة لأسرته، ليخرج منها بفيلم (زي عود الكبريت) الذي أكمله ابنه المخرج الشاب يوسف، والذي تم عرضه في مهرجان القاهرة السينمائي عقب رحيله، فنال استحسان أغلب من شاهدوه، وهو ما لم يشهده حسين للأسف.   

كان آخر لقاء لي مع حسين الإمام رحمه الله عبر الهاتف قبل رحيله بفترة قصيرة، عندما بدأت مع المخرج الكبير أستاذي وصديقي خيري بشارة التحضير لتصوير مسلسل (أهل اسكندرية)

 

كان يفترض أن أحظى بمتعة العمل مع حسين الإمام في مسلسل (أهل كايرو) مع المخرج محمد علي حيث كان سيلعب دور زوج صافي سليم القادم من أمريكا، والذي لعبه فيما بعد باقتدار الفنان زكي فطين عبد الوهاب، وكان كل فريق العمل متحمسا للعمل مع حسين، خاصة أنه كان قد عمل في أكثر من تجربة تلفزيونية مع محمود بركة أحد منتجي المسلسل، وحضر حسين معنا أكثر من جلسة ترابيزة، وكان معجبا جدا بالمسلسل ومتحمسا جدا لدوره، وكنت أستمتع كثيرا بمكالماتنا التليفونية التي كان يمارس فيها عادته المفضلة باستحضار الشخصيات التي عرفها خلال مشواره، ولا زلت أذكر كيف كان يشير إلى كل شخصية من الشخصيات الرئيسية للمسلسل ويستحضر معادلاً من الشخصيات الإجتماعية التي كان بعضها شهيراً، وبعضها لم أكن قد سمعت عنه، وكنت أقول له إن ما يحكيه يصلح لكتابة جزأين قادمين من المسلسل، وكان كعادته يسارع بالحماسة لتنفيذ كثير من الأفكار التي ترد في سياق الحديث، قبل أن يغلب عليه الإحباط السريع عندما يتذكر كم المشاريع التي دخل فيها، ولم تر النور بسبب عقبات إنتاجية، وبرغم أن الجميع كان متحمسا لوجود حسين، إلا أن العقبات الإنتاجية التي طرأت بسبب عدم تحمس أغلب القنوات للمسلسل لعدم وجود نجم سوبر ستار يتحمل مسئولية العمل، حيث لم يكن خالد الصاوي قد لمع وقتها بشكل كبير، وهو ما أدى إلى اضطرار المنتجين لتخفيض ميزانية المسلسل بشكل كبير استلزم تغيير كل من كان قد تم الإتفاق عليهم للعب الأدوار الرئيسية، لإتاحة الفرصة لممثلين لا تثقل أجورهم ميزانية العمل، لتكون تلك الأدوار فرصة لإعادة تقديم وإطلاق نجومية رانيا يوسف وكندة علوش وأحمد وفيق وجميل برسوم وكارولين خليل وعبد الرحيم حسن وزكي فطين عبد الوهاب وغيرهم من الذين أبدعوا في العمل.   
كان آخر لقاء لي مع حسين الإمام رحمه الله عبر الهاتف قبل رحيله بفترة قصيرة، عندما بدأت مع المخرج الكبير أستاذي وصديقي خيري بشارة التحضير لتصوير مسلسل (أهل اسكندرية) ـ رد الله غيبته ـ وكنت ليلتها مشغولا في كتابة الحلقة الأخيرة، فلم أحضر للأسف جلسة جمعتهما في فندق الماريوت، ذهب إليها خيري ليلتقي بحسين الذي لم يكن قد رآه منذ فترة، وليقرر ما إذا كان مناسبا لدور كبير في المسلسل كنت قد رشحته له، لكن أحد العاملين تطوع بالقول أنه شاهد حسين في مسلسل ما، ولم يكن في الفورمة أبدا، وثار يومها جدل كبير حول فكرة الحكم على ممثل من عمل لم يوفق في أدائه، لحرمانه من دور يمكن أن يفجر فيه طاقاته الفنية، وأنهى خيري النقاش بأنه قبل أن يتخذ القرار سيلتقي بحسين الذي تربطه به صداقة قوية منذ تجربة فيلم (كابوريا) الذي أنتجه حسين الإمام، والذي كان فاتحة خير على حسين الإمام مادياً، وإن كان قد مثل عبئاً فنياً عليه في رأيي، لأنه ظل لفترة طويلة أسيرا لحالة (كابوريا) التي حاول تكرارها ثانية في أفلام مثل استاكوزا وأشيك واد في روكسي وكذلك في الزمالك، برغم أن حسين كان لديه كثير يمكن أن يقدمه بعيدا عن تلك المنطقة. 
أذكر أنني حين قال أحد الحاضرين لجلستنا إن حسين الإمام يبدو غريباً على الشخصية التي نفكر في تسكينه فيها، ذكرته بقدرة حسين على تقديم أداء مختلف، مثل دوره الرائع في مسلسل (للعدالة وجوه كثيرة) مع المخرج الكبير محمد فاضل الذي أدى فيه دور بلطجي يصادق يحيى الفخراني في السجن، ودوره القصير واللافت في فيلم (حكايات الغريب) مع المخرجة الكبيرة إنعام محمد علي، وأعتقد أن نظام اختيار الممثلين للأعمال الفنية في مصر لو كان يتم بشكل مؤسسي، كما يحدث في صناعة السينما في أمريكا، لكان لدى الممثلين الموهوبين مثل حسين الإمام فرصة أن يقوموا بتوظيف مواهبهم بشكل أفضل، بعيدا عن الوقوع في فخ التكرار والإضطرار لاختيار "أحسن الوحشين" فيما يعرض عليهم من أدوار. 
بعد جلسة خيري بشارة وحسين الإمام التي كانت جميلة وحميمة، اتصل بي خيري وكان متحمسا جدا وقال لي إنه وجد حسين في أفضل حالاته لياقة وحضورا، وأعطاني التليفون ليبادرني حسين ضاحكا بأنه لن يسمح هذه المرة بتكرار ما حدث في (أهل كايرو)، وبرغم أنه لم يكن قد قرأ السيناريو، إلا أنه أخذ بطريقته في الحكي المتدفق يقول لي أن الشخصية التي حكاها له خيري ذكرته بشخصية كانت تعيش إلى جوارهم، وأنه خلال سفره إلى لبنان لإكمال دوره في مسلسل هيفاء وهبي الذي يشارك فيه، سيشتري للشخصية ملابس رآها في إحدى المحلات، قبل أن يقول ضاحكا أنه أصبح في الفورمة بعد أن تعرف على أكثر من خبير تجميل في بيروت، وأنه يمكن أن يلعب الآن نفس أدواره التي كان يلعبها قبل عشرين عاماً، وللأسف لم تكتمل التجربة لأن حسين كان يمثل في مسلسل آخر، وكان يصعب تنسيق مواعيد التصوير بين المسلسلات الثلاثة، ليجيئ خبر رحيله المفاجئ صاعقا لكل الذين رأوا حسين في الفترة الأخيرة، وأجمعوا أنه كان في قمة تألقه البدني والنفسي، وأن الحماس الذي شعر به خلال تجربته في إخراج فيلمه، فتح شهيته لإنجاز الكثير من المشاريع والأعمال التي حلم بتنفيذها، لكن يد المنية كانت أقرب إليه من أحضان المُنى.  
ترك حسين الإمام خلفه حباً جارفاً تحمله قلوب زوجته وأسرته وأصدقائه وجمهوره، وأعمالاً فنية مبهجة، وترك عبرة مرتبطة بشخصه ومشواره، هي في رأيي أن تعُبّ الحياة عَبّا قبل أن ترحل عنها، وأن تعيشها بالطول والعرض قبل أن تُنتزع منك، وتكون متصالحا معها في كل ما تمنحه لك، دون أن تفقد رغبتك المستمرة في مطاردة كل أحلامك، ودون أن توقف بحثك الأزلي عن البهجة والروَقان.