الطاعون والشِّعر: في هذه الأبيات خلّد العرب معاناتهم مع الأوبئة

أعاد التفشي الحالي لفيروس كورونا المستجد ذكريات الأوبئة السابقة والتي خلدتها الذاكرة الأدبية العربية في مؤلفات الشعراء. فالطاعون والشعر تقاطعا في أكثر من محطة تاريخية ليلهم الألم مخيلة الشعراء.

الطاعون والشِّعر: في هذه الأبيات خلّد  العرب معاناتهم مع الأوبئة
أعاد التفشي الحالي لفيروس كورونا المستجد ذكريات الأوبئة السابقة والتي خلدتها الذاكرة الأدبية العربية في مؤلفات الشعراء. فالطاعون والشعر تقاطعا في أكثر من محطة تاريخية ليلهم الألم مخيلة الشعراء. فلطالما كان الطاعون والوباء موضوعين للكُتَّاب والمؤرخين والشعراء من القرون الوسطى، كالتي عاشها جيوفاني بوكاتشيو في رواية The Decameron وكتاب A Journal of the Plague Year للمؤلف الإيطالي دانيال ديفو عام 1722، وصولاً إلى رواية Blindness  للكاتب البرتغالي الحائز جائزة نوبل 1998 خوسيه ساراماغو. لكنها ذُكرت أيضاً في الأدب العربي على مدى القرون المتلاحقة، سواء بالأحاديث النبوية قبل أكثر من 1500 عام، وصولاً إلى القرن الماضي. نازك الملائكة تصف حصاد الأرواح ففي عام 1947، نشرت الشاعرة العراقية نازك الملائكة قصيدتها الأولى المغايرة في عالم الشعر “الكوليرا”، عندما كانت تستمع إلى أخبار هذا المرض الذي ضرب مصر آنذاك. الشاعرة العراقية نازك الملائكة تشكو البشريّةُ تشكو ما يرتكبُ الموتْ الكوليرا في كَهْفِ الرُّعْب مع الأشلاءْ في صمْت الأبدِ القاسي حيثُ الموتُ دواءْ استيقظَ داءُ الكوليرا حقْداً يتدفّقُ موْتورا هبطَ الوادي المرِحَ الوُضّاءْ يصرخُ مضطرباً مجنونا لا يسمَعُ صوتَ الباكينا في كلِّ مكانٍ خلَّفَ مخلبُهُ أصداءْ في كوخ الفلّاحة في البيتْ لا شيءَ سوى صرَخات الموتْ الطاعون والشعر.. تأملات علي باكثير وفي بداية القرن العشرين، كتب الشاعر المصري من أصل تونسي علي أحمد باكثير (1907 ـ 1969) عدة قصائد ومقطوعات عن الحمى، منها: “في حال مرض”، “تضرع على فراش الألم”، “ألمَّت بي الحمى”، “دعيني أيها الحمى”، “الروح الحنون”. دعـيـنــي أيهـا الـحـمـى أجــيــبُ       أخـــاً ثغـرالـزمـان بــــه شـنـيــبُ ومـا أدري وقـد أوهـنـت جسـمـي      أأخطـئ فـي مقالـي أم أصـيـب سـمـاء الـفـكـر إن تـظـلـم بـلـيـل       فشمس الشعر يلحقهـا المغيـب وبـيـن الجـسـم والـفـكـر ارتـبــاط      إذا مــا طـــاب ذاك فـــذا يـطـيـب ولـكـنـي سـأقــدح زنـــد فـكــري     إلـــى أن يستـبـيـن لـــه لـهـيـب لأمـدح مـن حـوى غـرر المعـالـي     بـعـيــد خـيـالـهـا مــنــه قــريـــب  ابن الوردي يتحدى الطاعون بأبيات ثم يموت وإذا ما عدنا 7 قرون للوراء أيضاً، وتحديداً عام 1349، يذكر الفقيه والأديب عمر المعرّي الكندي المعروف بابن الوردي، في قصيدته عن الطاعون التي اعتبرت من قصائد رثاء النفس؛ إذ توفي بسبب الطاعون بعد يومين من كتابتها فقط! ولستُ أخاف طاعوناً كغيري فما هو غير إحدى الحسنيينِ فإن متُّ، استرحتُ من الأعادي وإن عشتُ، اشتفتْ أذني وعيني وفي تقريره الذي نشره موقع Middle East Eye البريطاني، قال الكاتب مصطفى أبو سنينة إن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تزخر بتقليد قديم في كتابة الشعر عن المرض والوباء. فتلك الموروثات الأدبية لا تعد خيالية أو فنية فحسب؛ بل هي أعمال انطباعية وثقت أحداثاً تاريخية مؤلمة حصدت آلاف الأرواح، وظهرت بعض التعليمات التي غيرت من أسلوب حياة الشعوب فيما يتعلق بالنظافة والتنقل، إلى جانب الأحاديث النبوية التي تدور في هذا الفلك. المتنبي وزائرته الليلية حتى إن لأبي الطيب المتنبي أبياتاً عن حمى وباء انتشرت في مصر سماها “زائرة الليل”، حيث كانت تشتد في المساء. إذ أصيب بالحمى وهو على وشك مغادرة مصر عندما كان عمره 45 عاماً، أي في عام 348 هجرية، وهو ما يعني قبل وفاته بنحو 6 سنوات. وعنها قال: وزائِرَتي كأنَّ بِها حَياءً  فَليسَ تَزورُ إلاّ في الظَلامِ بَذلتُ لها المَطارِفَ والحشايا  فعافَتها وباتَت في عِظامي يَضيقُ الجلدُ عن نفسي وعنها  فتوسِعُهُ بأنواعِ السقامِ كأنَّ الصُبحَ يَطرُدُها فَتجري  مَدامِعُها بأَربعة سِجامِ أراقبُ وقتَها مِن غَيرِ شَوقٍ  مُراقَبَةَ المَشوقِ المُستهامِ أحاديث نبوية عن الوقاية والصبر ومن الأحاديث النبوية التي تطرقت إلى الأوبئة وطريقة التعامل معها في حال حدوثها: –   “إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فراراً منه”. وفي حديث آخر عن عائشة (رضي الله عنها) قال : سألتُ رسول الله ﷺ عن الطاعون فأخبرني بأنه “عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحدٍ يقعُ الطاعونُ فيمكث في بلده صابراً محتسباً، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد”.