العراق واستدعاء الطائفية مجدّداً

ليس لدى قوى سياسية كثيرة في العراق القدرة على البقاء ضمن المشهد، إلا بسحب ورقة الطائفية من جديد، وهو أمر ينذر بحوادث كارثية، ما يعني أن على العراقيين ألا يقعوا مرة أخرى في الفخّ الذي يُنصب لهم، كما وقع كثيرون فيه عام 2006.

العراق واستدعاء الطائفية مجدّداً

عقب تظاهرات أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، اتحد العراقيون بشكلٍ قلّ نظيره، فقد شهدت بغداد أكبر تظاهرات مندّدة بالنظام السياسي والقوى والأحزاب الحاكمة، دفعت بها إلى استخدام شتى أساليب القمع والقتل والترويع والاعتقال من أجل إيقاف تلك الأمواج البشرية التي حاصرت المنطقة الخضراء، ودفعت برئيس الحكومة السابق، عادل عبد المهدي، إلى تقديم استقالته.
لم تكن تلك التظاهرات ذات صبغة أو لون مذهبي واحد، وإنما كانت عراقية خالصة، وتحديداً في العاصمة بغداد، وفيها لم ترفع راية سوى راية العراق، ولم يرفع شعار إلا شعار "نريد وطن" في أعمق دلالةٍ على قدرة العراقيين على تجاوز مخلفات سنوات الطائفية التي استثمرتها القوى السياسية خدمة لمصالحها ومصالح دول إقليمية ودولية. وكان يمكن أن تلحظ أن العراق يتعافى، وأنت تعيش يومياً مع تظاهراتٍ شبابيةٍ واعية مدركة لطبيعة دورها وواعية لما تمثله العملية السياسية وقواها المشكلة لها؛ من بؤرة تخلف وفساد وتبعية، ما عاد بإمكان العراق، بمختلف أطيافه ومكوناته، احتمالها.
أمام هيبة المشهد الوطني العراقي، استقال عادل عبد المهدي، وحكومته المسؤولة عن مقتل أكثر من 700 عراقي وإصابة نحو 26 ألفاً آخرين، وأمام هيبة هذا المشهد، فشلت القوى السياسية على مدى أشهر من تحديد خلف لعبد المهدي، حتى جاءت جائحة كورونا لتحجم وتنهي ظاهرة الاحتجاجات، وأخيراً مجيء مصطفى الكاظمي رئيسا للحكومة، على أمل الخروج من عنق الزجاجة.

الآن، وبعد نحو أكثر من شهرين على تولي الكاظمي رئاسة الحكومة، تبدو القوى السياسية المشكلة للمشهد في العراق في حيرةٍ من أمرها، فهي اليوم مقتنعةٌ بأن استمرار العملية السياسية سيعني من بين ما يعنيه، خسارتها الكثير من نفوذها، وربما خسارتها كل ذلك النفوذ، خصوصا أن أحزابا وقوى سياسية كثيرة، بما فيها التي لها أجنحة مسلحة، باتت مرفوضة من الشعب العراقي.
تحتاج الانتخابات التي حدّد لها الكاظمي يونيو/ حزيران من العام المقبل موعداً لها قانونا انتخابيا جديدا، هذا القانون وإن بدأ البرلمان بمناقشته، إلا أن نظرة أولية إلى طبيعة تلك المناقشات تؤكد أن القوى السياسية تنوي الالتفاف عليه، من خلال رفض اعتماد مبدأ الدوائر المتعدّدة لكل محافظة أو على الأقل تحديدها بطريقةٍ تخدم تلك القوى السياسية والأحزاب. ولا يبدو أن الأمر غائب عن القوى الشبابية التي تقود تنسيق التظاهرات، والتي هدّدت بان تعود تظاهرات أقوى في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، لمناسبة مرور عام على ذكرى انطلاقتها. مقابل ذلك، تدرك القوى والأحزاب العراقية أن أي قانون انتخابي يعتمد مبدأ الدوائر المتعدّدة، ونزول القوى الشبابية بقوائم انتخابية سيمثل خسارة لديناصورات السياسة في العراق. ومن هنا، تأتي أهمية استعادة مشهد الطائفية واللعب بورقتها من جديد من القوى السياسية الفاعلة في العراق، ولعل تسريب وثائق منتسبي الكلية العسكرية، وبعدها كبار موظفي الدوائر والوزارات التي تبين مذهب كل منتسب فيها، تؤكد مجدّداً أن وراء الأمر ما وراءه.

نظرة أولية إلى طبيعة المناقشات حول القانون الانتخابي المقبل تؤكد أن القوى السياسية تنوي الالتفاف عليه، برفض اعتماد مبدأ الدوائر المتعدّدة لكل محافظة

تعتقد القوى السياسية في العراق، بمختلف مذاهبها وعرقياتها، أنها جاءت بناء على محاصصة طائفية، وأن نهاية مبدأ المحاصصة والذهاب إلى مبدأ المواطنة، سيعني فقدانها مكاسب كثيرة حققتها لها الطائفية والمحاصصة. والعراقيون بطبعهم ليسوا طائفيين، فحتى عندما اشتعلت الحرب الطائفية عقب تفجيرات سامراء عام 2006، بقي النسيج المجتمعي قادراً على التغلب على طبيعة الحرب القذرة التي نفذتها قوى ومليشيات كل من يدّعي نصرة لمذهبه وعقيدته.
وجد العراقيون في ثورة أكتوبر صورة تشبههم، صورة تشبه العراق الذي يتمنّون، لذلك أيدوها وبقوة، وما زالت الجذوة مشتعلة، وكلهم أمل أن تمثل لهم بداية الانعتاق من مشهد كارثي دفعوا ثمنه من دمائهم طوال سنوات من الحرب الطائفية التي كانت ترعاها القوى السياسية، بل وحتى القوى الإقليمية والدولية.
اليوم لا يبدو أن هناك قدرة لدى قوى سياسية كثيرة في العراق على البقاء ضمن المشهد، إلا من خلال سحب ورقة الطائفية من جديد، وهو أمر ينذر بحوادث كارثية قد تفتعلها تلك القوى، ما يعني أن على العراقيين ألا يقعوا مرة أخرى في الفخّ الذي يُنصب لهم، كما وقع كثيرون فيه عام 2006. صحيح أن الوعي المجتمعي اليوم أعلى، ومنسوب الوطنية ارتفع بطريقةٍ ربما لم يشهدها العراق منذ احتلاله عام 2003، لكن ذلك لا يعني الركون لهذا الوعي بمواجهة خطط القوى التي يبدو أنها ما زالت متشبثة بأمل البقاء، والتي تراهن على قدرتها على الصمود بوجه غضبة الشعب الذي لم يجد وسيلة للتعبير عن رفضه تلك القوى والأحزاب، إلا وسلكها، حتى لو اضطرّه إلى استخدام" الشفل" لهدم مقار الأحزاب، كما فعل شباب الناصرية في جنوب العراق قبل أسابيع قليلة.