المتعة الآن وليس غداً .. عن ظاهرة النجاح الوقتي

عاش السوريون ومن ورائهم العالم كله ظاهرة لعلها تكون جديدة عليهم في حفل معرفة جنس المولود، وهي ظاهرة جديدة نسبياً على البشرية، بدأت مع تطور التصوير بالأمواج فوق الصوتية في القرن العشرين، والتي تسمح بمعرفة جنس المولود اعتماداً على مشاهدة خصيتي الجنين من عدمها، رغم أن دقة التشخيص لا تصل إلى 100% لعوامل كثيرة ليس […]

المتعة الآن وليس غداً .. عن ظاهرة النجاح الوقتي

عاش السوريون ومن ورائهم العالم كله ظاهرة لعلها تكون جديدة عليهم في حفل معرفة جنس المولود، وهي ظاهرة جديدة نسبياً على البشرية، بدأت مع تطور التصوير بالأمواج فوق الصوتية في القرن العشرين، والتي تسمح بمعرفة جنس المولود اعتماداً على مشاهدة خصيتي الجنين من عدمها، رغم أن دقة التشخيص لا تصل إلى 100% لعوامل كثيرة ليس المجال هنا لذكرها. 

ومن نافلة القول أن معرفة جنس الجنين لا تقدم ولا تؤخر في عقل الإنسان الغربي الذي لا يميز بين ذكر وأنثى، إلا أن معرفة جنس الجنين سهلت نوعاً ما عملية الاستعداد للمولود الجديد من شراء الثياب والألعاب التي تميز الذكور عن الإناث، في إشارة عميقة إلى أن المجتمعات ما زالت ترسم حدوداً واضحة المعالم بين الجنسين، تلك الحدود التي يُراد محوها اليوم وصلت إلى تخصيص حمامات مشتركة للجنسين تحت اسم “الجنس الواحد” Unisex.

لكن ما حدث البارحة تجاوز هذه الأعراف الراسخة لمحاولة تحديد جنس الجنين إلى ظاهرة نشر الحدث الخاص جداً على الملأ أمام الملايين وإظهار فرحة كان واضحاً جداً أنها مفتعلة للزوم الحدث، وهذا ما يعلمه كل زوج وزوجة أُخبرا بجنس جنينهما في العيادة الخاصة فلا تتجاوز الفرحة عناق الزوج للزوجة وهمسة في أذنها “ألف مبروك.. إن شاء الله بالسلامة”.

لكن ما أريد مناقشته هنا ليس هدا الحدث، لكن مناقشة السؤال الحقيقي لظاهرة أخرى منتشرة اليوم بين الشباب، هو ما الذي يجعل شاباً تخرج في جامعة كندية مرموقة باختصاصيي القانون  والإعلام والصحافة ثم نال درجة الماجستير في اختصاص “علم تدبير السياسة”  يلقي بكل ذلك ظِهرياً ويتجه لعالم التأثير الافتراضي. 

تفسير الظاهرة هذه هو شيوع ظاهرة أخرى بين الشباب هي تقديم الرضا الآني على الرضا المتأخر. ‏Instant gratification vs. Delayed gratification 

كل الدراسات الاجتماعية والإنسانية تشير وبوضوح إلى أن القادة والمفكرين الكبار الذين تخلدهم شعوبهم هم من الصنف الثاني الذي يؤخر الرضا، وهو ما يتطلب تطوير خلق الصبر والمصابرة على حساب المتعة الآنية. 

لعل المسلمين حين سادوا العالم كان من أخلاقهم تأخير الرضا والمتعة، وأدبياتهم طافحة بما ينم عن ذلك. 

وما قصة سيدنا موسى والعبد الصالح إلا نموذج ساطع على نتيجة تقديم المتعة الآنية على تأخيرها، ولو كانت في استعجال الإجابة على الأسئلة المصيرية. 

ومن أدبيات المسلمين في ذلك قول الصوفية “من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه”. 

وقول العامة: “في التأني السلامة وفي العجلة الندامة”. 

لقد تحول العرب وغير العرب إلى ثقافة استعجال الثمرة مع انفجار وسائل التواصل الإعلامي ثم الاجتماعي في نهاية القرن العشرين، وما برامج الواقع الافتراضي التلفزيونية ثم برامج المواهب عالمية الانتشار إلا مثال لتلك الثقافة التي يحاول فيها أصحاب المواهب تخطي مراحل البناء بالقفز إلى أضواء الشهرة والمال مباشرة دون المرور بالعملية التراكمية لهذا البناء، هذا التخطي الذي أصبحنا نراه اليوم على حساب خصوصيات الإنسان وأسرته في آخر ما وصلت إليه عملية الرضا الآني بما يسمى “المؤثرين” الذين يتابعهم الملايين لا بسبب محتوى التأثير، لكن طمعاً في أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه، فالمحتوى ضحل ليس فيه فائدة تذكر تبرر إضاعة الأوقات في متابعة هؤلاء. 

هذه الظاهرة هي ظاهرة “اختصار الطريق” التي يتوهم أصحابها أنهم سيختصرون طريق الحياة الرغيدة، وهم للأسف لا يعلمون أو لا يريدون أن يعلموا أنه ليس في رحلة الحياة “اختصار طرق”.