النساء أقمار مزروعة بشقائق النعمان!

من الحكايات التي لم يروها الأمير الصغير الذي يسكن الكويكب 612، والذي كان يسافر من كوكب إلى آخر أنه حين زار كوكب الأرض لم تكن دهشته باتساع الأرض موازيةً لدهشته باكتشافه التشابه العجيب بين دورة حياة القمر والنساء..

النساء أقمار مزروعة بشقائق النعمان!

من الحكايات التي لم يروها الأمير الصغير الذي يسكن الكويكب 612، والذي كان يسافر من كوكب إلى آخر أنه حين زار كوكب الأرض لم تكن دهشته باتساع الأرض موازيةً لدهشته باكتشافه التشابه العجيب بين دورة حياة القمر والنساء، ولم يستطع أن يحدد من منهما يؤثر على الآخر، وهل القمر هو المسبب الحقيقي للمد والجزر أم النساء؟!..

يا لهذا الجمال العجيب عند نساء الأرض (قال الأمير الصغير في نفسه). حتى أنّه عندما عاد إلى كويكبه أدمن النظر إلى كوكب الأرض فصار يقضي جلّ وقته يراقب نساءه من خلال تلسكوب عجيب في محاولة منه لفهم سرّهن.

وأيضاً النحلات العاملات تساءلن: لماذا لا يأتي الربيع كل شهر إلى كوكب الأرض كما يحدث مع النساء؟ وقد أسرفن في التفكير والتخيل حتى توصلن إلى أنّ كل امرأة هي كوكب مستقل بذاته.

لقد نظرت العديد من الحضارات القديمة إلى الدماء التي تسيل من أجساد النساء عدة أيام من كل شهر نظرات التقديس والتعظيم فهي إشارة إلى خصوبة المرأة وتجددها المستمر، حيث ساد الاعتقاد في روما القديمة بأن المرأة الحائض المتعرية قادرة على إخافة العواصف، وذلك إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على إيمانهم بقدرة المرأة وقوتها. أما في أفريقيا، فإن دم الحيض استُخدِم في أقوى التعويذات السحرية بغرض التطهير والتدمير. وفي الهند القديمة، نُظر إلى الطمث على أنه عملية مقدسة. أما عند شعب الشيروكي (وهم قبيلة من قبائل الهنود الحمر كانت تستوطن جنوب شرق الولايات المتحدة)، فإن دم الحيض كان مصدراً للقوة الأنثوية وله القدرة على تدمير الأعداء.

لكن كل هذا الجمال والخصوبة اللذين تمتلكهما الأنثى عندما تبلغ فقدا، للأسف، القدسية والتبجيل مع بدء سيطرة الفكر الأبوي على المجتمعات، ذلك الفكر الذي أطّر النساء وعلّبهن في علب مقفلة مصنّعة على مقاس رغبات الرجل، فصار يُنظر إلى جسد المرأة ودماء دورتها الشهرية نظرةً سلبيةً فيها من الاحتقار الشيء الكثير، كما أن الأديان عززت هذه النظرة وساهمت في ترسيخها، فالدين بالعموم هو المسير الأول للشعوب والمؤثر الأكبر على تفكير الجماعات البشرية التي تنتمي إليه. فاليهودية القديمة مثلاً تعتبر المرأة نجسة طيلة فترة الحيض، فيُّحرم عليها دخول الكنيس، كما لا يحق للمرء سؤالها عن صحتها أو تلاوة بركة بحضورها، وأيضاً لا يحق للكاهن الذي في بيته امرأة حائض تلاوة بركة في الكنيس! كذلك عُدَّ نَفَس فم الحائض مؤذيا. حتى ألفاظها تسبب النجاسة وتلوث الهواء قربها، ويجب عزلها لمدة سبعة أيام، وكل من يمسها نجس. والمتاع الذي تجلس عليه وفراشها وثيابها وكل ما يقرب جسدها نجس. كما حرمت اليهودية الجماع بين الزوج وزوجته إذا كانت في فترة الحيض "وَلاَ تَقْتَرِبْ إِلَى امْرَأَةٍ فِي نَجَاسَةِ طَمْثِهَا لِتَكْشِفَ َعوْرَتَهَا" (سفر اللاويين، الإصحاح18)، والرجل الذي جامع امرأة خلال فترة الطمث يكون نجساً يجب عزله مدة سبعة أيام!

على الرغم من التطور الذي وصلته البشرية، وبالرغم من التحرر النسبي من السلطة المباشرة للأديان في كثير من المجتمعات إلّا أن موضوع الدورة الشهرية -رغم طبيعيته- لا يزال من المحظورات في العديد من المجتمعات

وفي الإسلام أيضاً يرتبط الحيض بمفهوم الطهارة، حيث تمنع المرأة من ممارسة بعض الطقوس الدينية، فلا يحلّ لها خلال الطمث الصلاة أو قراءة القرآن أو لمس المصحف، كما لا يجوز للحائض الصيام، أو الطواف حول الكعبة.

وفي الهندوسية طقس قديم يُعرف باسم (شوبادي)، يقضي بعزل الفتيات والنساء في أكواخ تدعى (أكواخ الطمث) خلال فترة الطمث التي تتراوح بين خمسة إلى سبعة أيام، تُمنع خلالها المرأة من لمس الآخرين لاسيما الرجال، أو لمس طعامهم خوفاً من تنجيسه، أما عن طعامها فيقتصر على الأرز الجاف، فباعتقادهم أنها إذا أكلت مما تنتجه الأرض فالمحاصيل ستذبل وتموت، أما إذا أكلت من منتجات الماشية فإنها ستمرض وتنفق. وعلى الرغم من صدور قرارات تمنع ممارسة هذا الطقس المجحف بحق النساء، إلّا أن العديد منهن لا زلن يعانين منه حتى يومنا هذا في العديد من المناطق لاسيما في نيبال.

أما في الديانة المسيحية فلا يزال هذا الأمر موضع جدل بين آباء الكنيسة، لاسيما أن الإنجيل لم يذكر نصاً واضحاً فيما يتعلق بهذا الخصوص، مما سبب انقسام في الكنائس، فكنيسة التوحيد الأرثوذكسية والعديد من الكنائس الشرقية الأخرى تمنع النساء الحائضات من تناول القربان المقدس انطلاقاً من فكرة النجاسة، وبعض الكنائس الأكثر تشدداً وتطرفاً تحرّم عليهن دخول الكنائس، في حين أن هنالك بعض الكنائس المتسامحة مع النساء فيما يخص هذا الأمر وتدعو إلى ضرورة التخلص من فكرة قوانين النقاء على اعتبارها جزءا من العهد القديم.

واليوم، وعلى الرغم من التطور الذي وصلت إليه البشرية، وبالرغم من التحرر النسبي من السلطة المباشرة للأديان في كثير من المجتمعات إلّا أن موضوع الدورة الشهرية -رغم طبيعيته- لا يزال من المحظورات في العديد من المجتمعات، لا سيما مجتمعاتنا العربية، ففي الوقت الذي يعدّ بلوغ الفتاة مدعاة للاحتفال عند بعض العائلات يكون ذلك نقمة عند غالبية العائلات الأخرى، لا سيما بالنسبة للبنت نفسها، دوامات من القلق والخوف تتفتح في عقل الأب والأم وتُنقل إلى البنت، يصير جسدها وحشاً تجد نفسها عاجزةً عن ترويضه وفي الوقت نفسه مجبرةً على التعايش معه، تغيرات جسدية ونفسية تطرأ عليها دون أن تجد يداً تمسك بيدها وتساعدها على فهمها، فأكثر الأمهات مازلن يشعرن بالحرج من التحدّث مع بناتهن عن أكثر الأشياء أهمية وطبيعية فيما يتعلق بأجسادهن.

تنتقل البنت من مرحلة الطفولة إلى البلوغ بعينين مغمضتين وجسد تجهله تماماً، لتبدأ بعد ذلك رحلة مخلخلة للتعارف بينها وبين جسدها، وكما العلاقات التي تبدأ بإخفاء الأسرار وتستمر بالظلام بحيث لا يستطيع الطرفان رؤية الفجوات التي تتخللها لإصلاحها، تتكون بين البنت وجسدها علاقة مشوّهة تدفعها إلى كره هذا الجسد والشعور بالغربة عنه، وتحنّ إلى الجسد الطفوليّ والراحة المرافقة له، إلى الجسد الذي ليس فيه انحناءات مثيرة. تصير حركاتها وتحركاتها مدروسةً، الفساتين الملونة القصيرة تختفي من خزانتها، صدرها الذي كان مسطحاً وحراً يجب أن تعتاد على خنقه بالسوتيان كي لا تشفّ بلوزتها حبتي الرمان اللتين بدأتا تنتفخان وتبرزان، شعر جسدها يصير زائداً عليها أن تزيله فعيب على (الصبية) أن يرى أحد شعر إبطيها. فالبنات اللواتي تتراوح أعمارهن بين الحادية عشرة والثالثة عشرة، واللواتي لم يسبق أن حدثهن أحد عن الدورة الشهرية يدخلن الحمام فتُسمع صرخاتهن وبكاؤهن المرعوب، تلحق بهن الأمهات ويخرجن جميعا قلقات.

فتيات المدارس عندما تأتيهن الدورة الشهرية دون أن يكنَّ قد حسبن حساباً لذلك تلاحق مؤخراتهن النظرات الساخرة والفضولية وتتعالى الضحكات المكبوتة، يبكين ويخرجن على عجل من المدرسة وقد عقدن حول خصورهن القمصان المدرسية لإخفاء (الفضيحة).

يقول طاغور: "خلق الله النساء من خياله.. بينما كوّن الرجال بيديه". لكنّه لم يذكر أن فكرة الأرض استوحاها الله كمحاكاة للجسد الأنثوي في إحدى شطحات خياله.