الوجه الجميل لإحصائيات كورونا المرعبة.. هل بدأ البشر السيطرة على بؤر الوباء؟

اليوم السبت، أنا في المنزل ليومين، نردد أمام أنفسنا والآخرين: دعونا نتفاجأ. إذا لم يحدث تطور درامي خلال عطلة نهاية الأسبوع عندنا في المستشفى وفي باقي مشافي المدينة الستة عشر فستكون إشارة جيدة للغاية. أدعوكم لقراءة هذه السطور.. أنا متفائل داخل هذه الجائحة، وسأقول لكم لماذا. يتزايد الهلع، كورونا يبسط سيطرته على الحياة بشكل عام، […]

الوجه الجميل لإحصائيات كورونا المرعبة.. هل بدأ البشر السيطرة على بؤر الوباء؟
اليوم السبت، أنا في المنزل ليومين، نردد أمام أنفسنا والآخرين: دعونا نتفاجأ. إذا لم يحدث تطور درامي خلال عطلة نهاية الأسبوع عندنا في المستشفى وفي باقي مشافي المدينة الستة عشر فستكون إشارة جيدة للغاية. أدعوكم لقراءة هذه السطور.. أنا متفائل داخل هذه الجائحة، وسأقول لكم لماذا. يتزايد الهلع، كورونا يبسط سيطرته على الحياة بشكل عام، ويحكم الكوكب.. هذا ما تقوله الأرقام! لكن الأرقام تقول شيئاً آخر في الوقت نفسه. لنأخذ هذا المثال: تعتبر إيطاليا مركز الوباء في العالم حالياً، هذا ما تكتبه كل الصحف والدوريات على الكوكب، وهو تعبير غير دقيق بالمرة، لنُلق نظرة على الخريطة الإيطالية، الخريطة مرسوم عليها انتشار الفيروس.  في المحافظات الجنوبية انتشار الفيروس محدود للغاية، في أقصى الجنوب توجد حالة إلى عشر حالات في كل محافظة. وفي المحافظات القريبة من الوسط يتزايد عدد الإصابات، ليصل ما بين عشرة إلى مئة إصابة في المحافظة الواحدة. (في كل محافظات الجنوب حتى الوسط لا توجد محافظة واحدة سجلت عدد إصابات أكثر من ألف حالة لكل مليون نسمة، مع تزايد بطيء ومحدود داخل نظام الحجر القاسي!) في المحافظات الشمالية في أقصى الشمال، إقليم لومباردي وما حوله، نشاهد التزايد الذي يتحدث عنه العالم (بين 2000 و4000 حالة في المليون/ ما بين 500 إلى 10000 حالة في المحافظة الواحدة، ونمو مستمر في عدد الحالات، لكنه -رغم كل شيء- نمو محدود مقارنة بما يمكن أن يكون عليه الوضع لو أن الفيروس تُرك طليقاً). ورغم ذلك، توجد محافظات في أقصى الشمال الإيطالي، إلى الشرق والغرب من إقليم لومباردي، احتفظت بمعدل إصابة عند مستوى أقل من 500 إصابة في المحافظة الواحدة، أقل من 200 حالة لكل مليون! إيطاليا ليست مركز الوباء في العالم، ولكن لنقُل: إن الشمال الإيطالي هو أحد مراكز الوباء فكِّروا بهذا الحدث، وتخيلوه معي، في التاسع والعشرين من فبراير/شباط الماضي، اتخذت الحكومة الإيطالية قراراً بإعلان حالة حظر تجوال في الشمال الإيطالي لحصر الوباء هناك. بسبب التشكيل الموزاييك والمتناقض للنظام الحاكم، وتحت وطأة الصوت العالي لليمين الراديكالي، كتبت الحكومة قرارها ولم توقع عليه. حدث ذلك الساعة الثانية فجراً، وذهب الجميع إلى النوم بعد أن تواعدوا على مناقشة القرار مرة أخرى في الساعات القادمة والتوقيع عليه. أحدهم التقط صورة للوثيقة وسرّبها، خلال دقائق كانت الوثيقة قد ملأت تويتر وفيسبوك. خلال ساعات كان الإيطاليون الشماليون قد توافدوا بـ”مئات الآلاف” على محطات القطارات، ومواقف الحافلات، وملأوا الطرق السريعة التي تربط الشمال بباقي البلاد. غادروا الإقليم في مشهد قلّ نظيره، في أكبر موجة تدفق للوباء يمكن تخيلها! ذلك الحجر الحاد والانضباط الرهيب جعلنا نقف احتراماً لعشرات المحافظات الإيطالية التي سجلت أقل من عشر حالات إصابة، ولتلك المدن العديدة التي رغم العزلة والعجز أبقت العدد الكلي تحت مئة حالة. هذا ما يجري في الشمال الإيطالي، وهذا ما يمكن أن يحدث لمناطق كثيرة في العالم لو لم تذهب بسرعة إلى الحجر والعزلة. تزايُد الفيروس، عالمياً، بطيء للغاية. (دعكم من كل الهراء الذي يزودنا به الإنترنت. الدالة التي ينتقل من خلالها الفيروس، إذا لم تتخذ الإجراءات الصارمة، تعطيه فرصة للقفز من شخص واحد إلى 58 ألفاً خلال أيام قليلة). إذا تلكأت أنكرت الحقيقة، وإذا واجهت الوقائع بالإنكار والاسترخاء فإن لومباردي لم تعلمك شيئاً، إذا جلست في دارك التزمت بالتعليمات، إذا نظرت إلى كل بشر بوصفه مريضاً جاء لينقل إليك الفيروس، إذا أدركت السلطاتُ واجبها التاريخي والأخلاقي، إذا تخلت الأنظمة عن النظر إلى الشعوب بوصفهم زبائن لا مواطنين، فإن لومباردي قد علمتنا شيئاً. الحقيقة أن منطقة واحدة موبوءة تثير فزعاً عالياً يجعلنا نتجاهل النماذج النقيضة. مطلع يناير/كانون الثاني، اتخذت اليابان قراراً جاداً وصارماً؛ إغلاق كل المدارس والجامعات وتفكيك التجمعات. نظر إلى قرار اليابان، كالعادة، بوصفه قراراً في (كوكب اليابان). احتوت الدولة الجائحة عند حدودها الدنيا، وهي الآن تطور استراتيجية خروج منها، لقد انتقلت إلى الطور الثاني: كيف سنخرج الآن، بعد أن سيطرنا على حركة الفيروس. بينما لا يزال أغلب العالم في مرحلة: كيف نسيطر على الفيروس ونبطئ حركته. يومكم سعيد.. كونوا بخير.  طبيب وروائي وكاتب من اليمن، يعيش في ألمانيا. مهتم بقضايا الديموقراطية والثورة. أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net