بين فكّي الحوثيين والانفصاليين

تقف الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في زاوية لا تُحسد عليها، فعلى الرغم من هشاشتها المعهودة منذ بدء الحرب جراء تموضعها الدائم في عواصم عربية، وجدت نفسها الآن بين فكّي كماشة تتربص بما تبقّى فيها من نبض.

بين فكّي الحوثيين والانفصاليين

تقف الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في زاوية لا تُحسد عليها، فعلى الرغم من هشاشتها المعهودة منذ بدء الحرب جراء تموضعها الدائم في عواصم عربية، وجدت نفسها الآن بين فكّي كماشة تتربص بما تبقّى فيها من نبض؛ ففي الشمال جماعة الحوثيين، وفي الجنوب "المجلس الانتقالي" المنادي بالانفصال.

وبسبب الأداء المختلّ وممارسة مهامها عبر مواقع التواصل الاجتماعي في أفضل الأحوال، فضلاً عن تسليم رقبتها للسعودية في الملفات السيادية كافة، ساهمت "الشرعية" في ترهل مؤسسات الدولة في مناطقها، وتبّخُر العقيدة القتالية لدى الجيش الوطني المفتقر لقيادة تقف بجواره على أرض المعركة. كل هذا الترهل، أغرى جماعتي الحوثيين و"المجلس الانتقالي"، وجعلهما تتسابقان لقضم المزيد من مساحات أراضي اليمن، بهدف امتلاك أوراق تفاوضية في أي تسوية مقبلة يرتب لها المجتمع الدولي.

في الوقت الراهن، دخلت الأوضاع في مأرب النفطية مرحلة الخطر، بعد سيطرة الحوثيين على مديريتي ماهلية ورحبة في الأطراف الجنوبية، وباتت مديرية الجوبة الاستراتيجية هي الهدف التالي، قبل الاقتراب من منابع النفط والغاز. وفي أبين، لا يكترث "المجلس الانتقالي" لاتفاق الرياض أو الآلية التي هندستها السعودية، فهو ظفر بما يريد منها، عندما أصبح محافظ عدن أحمد حامد لملس، يدير العاصمة المؤقتة بشكل شرعي، ويتصرف في الإيرادات بتوقيع رسمي لا يستطيع البنك المركزي حالياً أن يرفضه، بل بات أتباع الإمارات يرتبون للمعركة الكبرى وهي اجتياح شبوة النفطية.

هذا التربص من الطرفين، أفقد "الشرعية" توازنها، فبعد أن دفعت الحكومة، في الأيام الماضية، بكتائب عدة من شقرة وشبوة صوب مأرب لمساندة الجيش الوطني في التصدي للهجمات الحوثية المكثفة، عادت لتسحبها مجدداً، في إيمان مطلق بأنها ستخسر مأرب لا محالة، وبالتالي فلا سبيل أمامها سوى الدفاع عن شبوة، ولكن الواقع أنها ستخسر كل شيء.

في مأرب، القبائل تشعر بأنّ الحكومة خذلتها في مواجهة الفاشية الحوثية، وهو ما جعلها تلجأ إلى عقد اتفاق سلام مع الجماعة بهدف الحفاظ على ممتلكاتها الخاصة، كما حصل مع غالبية قبائل مراد التي ساهمت في سقوط ناعم لمناطقها أمام الاجتياح الحوثي. وفي شبوة وأطراف أبين، لن يدوم تموضع "الشرعية" طويلاً في حال استمرت بهذا الأداء، كون "المجلس الانتقالي" يعلن بصريح العبارة، أنّ الخطوة المقبلة من اتفاق الرياض، هي انسحاب القوات صوب مأرب وليس انسحابهم هم من عدن كما تنص عليه الآلية السعودية.

وفي ظلّ الوضع المختل داخل أركانها، لا يبدو أنّ لدى "الشرعية" القدرة على مجابهة التحديات المحدقة بمأرب وأبين، بل من المؤكد أنها ستسلم رقبتها للحوثيين شمالاً ولو عبر الأمم المتحدة بما يحفظ ماء الوجه، وجنوباً عبر السعودية واتفاق الرياض، وستوافق على تقديم الكثير من التنازلات عن بنود كانت بالنسبة لها خطوطا حمراء قبل أشهر.

وتشير الأنباء إلى أنّ الحكومة اليمنية التي كانت قد رفضت مبادرة المبعوث الأممي مارتن غريفيث لوقف الحرب جملة وتفصيلاً، خلال الأشهر الماضية، واعتبرتها انتقاصاً للسيادة، هي من تطالب الآن بـ"الإعلان المشترك" لوقف إطلاق النار، وضرورة الجلوس على طاولة الحوار لمناقشة الحل الشامل. ومن أجل هذا، بدأ غريفيث جولته المفاجئة إلى الرياض، في اليومين الماضيين، وسنرى نتائجها قريباً.