جذر واحد وكوارث متعددة

بينما يحتفل العالم في السابع من سبتمبر/ أيلول من كلّ عام بـ"اليوم الدولي لنقاء الهواء من أجل سماء زرقاء" نجد معظم مناطق العاصمة السودانية الخرطوم تعيش - فعلاً - تحت سماء زرقاء، لا بفضل نقاء الهواء، لكن بسبب تكاثف الدخان المنبعث من مكبات النفايات

جذر واحد وكوارث متعددة

بينما يحتفل العالم في السابع من سبتمبر/ أيلول من كلّ عام بـ"اليوم الدولي لنقاء الهواء من أجل سماء زرقاء" نجد معظم مناطق العاصمة السودانية الخرطوم تعيش - فعلاً - تحت سماء زرقاء، لا بفضل نقاء الهواء، لكن بسبب تكاثف الدخان المنبعث من مكبات النفايات في الشوارع الرئيسة، ووسط الأحياء السكنية، إذ لم يجد السكان علاجاً لتراكم نفاياتهم المنزلية سوى حرقها. هذه حال المدينة الكبرى، فكيف هي الحال في المستوطنات الناشئة من دون مقومات حولها؟ فهناك المكبات الكبيرة تلامس المساكن، والمواطن يعيش بين الدخان والأبخرة الأخرى، لكن في صمت لا تكسره سوى الأحداث الكبيرة الصادمة.
وبينما تتواصل إجراءات التحري والتدقيق حول حادثة انفجار الدقيق المستورد في أكبر مكب شمالي العاصمة (30 أغسطس/آب الماضي) وحالات الحريق بين عمال المكب وعدد من الأطفال، تفتح بوابة الأسئلة المواربة حول مسؤولية بقاء المواطنين على مقربة من المكب، بين حُجّة وجود المكب قبل المستوطنة، وحديث السكان عن وعد الحكومة بترحيل المكبّ بعد العمل على جعل مستوطنتهم قانونية ومدّهم بالخدمات في إطار معالجة السكن العشوائي حول المدن الكبيرة، إثر تفاقم حالات النزوح الأخيرة.
بدأت الحكاية بدخول عدد من الشاحنات الضخمة محملة بالدقيق الفاسد، ليطلب مشرف المكب من العمال وبعض الأطفال إفراغ المحتوى في حفرة أحدثوها وسط المكب، ثم إحراق الجوالات (الأكياس) الفارغة لإخفاء أثر الجهة المنتجة، ومكونات المحتوى وتاريخ الصلاحية، لكن شاءت الأقدار أن يحمل الهواء أحد الجوالات المحترقة إلى الحفرة. ولدهشة الجميع وقع انفجار كبير ومفاجئ، وارتفعت على إثره كرة هائلة من اللهب، وأمسكت النيران بـ"تلابيب" 16 طفلاً ممن كانوا  بالقرب من الحفرة، تتفاوت درجة إصاباتهم بين الخطرة والمتوسطة والخفيفة.
المكب يستقبل جميع أنواع النفايات الصلبة، وتديره إحدى شركات النظافة، ويعمل فيه إلى جانب عمال الشركة من فقراء الأحياء القريبة، عدد من الأطفال أجبرهم الفقر المدقع على ممارسة هذه المهنة الخطرة بعيداً عن عيون القانون الذي يجرّم استغلالهم، وتشغيلهم تحت ظروف بيئية غير ملائمة لسنّهم، ومن دون أيّ تدابير وقائية كافية، فقط لأنّهم يبحثون عن فرص البقاء على قيد الحياة.

يورد الخبير البيئي عيسى عبد اللطيف أنّ "لكلّ المشاكل والكوارث المتعلقة بالنفايات جذر واحد هو انعدام القناعة، وغياب الإرادة السياسية لادارة النفايات بالطرق السليمة المعروفة عالمياً، للحصول على الحلول المستدامة". ويرى أنّه "في حال عدم توفر الإرادة لتفعيل نظام البلديات بأبعاده الخمسة، فستظل مشاكل تلوث مياه الشرب، وفساد الأغذية، وتدهور صحة البيئة، وكثرة حوادث إهمال النفايات، ومشاكل مياه الصرف الصحي والصناعي ماثلة تهدد حياة المواطن في كلّ يوم". ونتساءل: ما دام جذر الكوارث واحداً فلماذا كلّ هذا التراخي؟
(متخصص في شؤون البيئة)