حيلةٌ سجلها التاريخ.. طبيب صنع وباءً مزيفاً وحقن به الآلاف لينقذ مدينته من النازيين.. قصة وباء التيفوس

في مدينة روزوداو  البولندية، وإبان الحرب العالمية الثانية، زار رجلٌ طبيب المقاطعة بشكوى فريدة، يريد أن يُصاب بمرض خطير! كان الرجل واحداً من بين آلاف البولنديين الذين أجبرهم الاحتلال النازي على العمل في معسكرات الأشغال الألمانية، وكان مستعداً لفعل أي شيء يحميه من العودة إلى حيث أتى، إذ كان في إجازة لمدة 14 يوماً لزيارة […]

حيلةٌ سجلها التاريخ.. طبيب صنع وباءً مزيفاً وحقن به الآلاف لينقذ مدينته من النازيين.. قصة وباء التيفوس
في مدينة روزوداو  البولندية، وإبان الحرب العالمية الثانية، زار رجلٌ طبيب المقاطعة بشكوى فريدة، يريد أن يُصاب بمرض خطير! كان الرجل واحداً من بين آلاف البولنديين الذين أجبرهم الاحتلال النازي على العمل في معسكرات الأشغال الألمانية، وكان مستعداً لفعل أي شيء يحميه من العودة إلى حيث أتى، إذ كان في إجازة لمدة 14 يوماً لزيارة أسرته، وكانت الإجازة أوشكت على الانتهاء. الفرار كان غايته، فهو يعلم جيداً أنه إن لم يرجع إلى النازيين فسيلاحقونه ويزجون به في معسكرات الاعتقال، وهو ما يشبه حكماً بالإعدام، هداه تفكيره إلى أنه لو أثبت إصابته بمرض خطير فإن ذلك يعفيه من العودة إلى المعسكرات القاسية. الطبيبان يحاولان تشخصيه.. حسب Atlas Obscura الأمريكي قرر الطبيبان اللذان فحصا الرجل مساعدته للحصول على تشخيص، وقدما له حقنة، لم يكن يعلم حينها بمحتواها، وبعدها سحبا منه عينة دم وأرسلاها إلى معمل ألماني، ولم تمر سوى أيام قليلة حتى وصلت لهم رسالة نصها التالي: “فايل فيليكس إيجابي”. أثبتت الفحوصات أن المريض مصابٌ بوباء التيفوس، أخذ الرجل التليغراف المرسل من المعمل وأرسله إلى السلطات المحلية الألمانية، ليثبت لهم أنه مريض بمرض مُعدٍ، وهو ما يقتضي إعفاءه من معسكر الأشغال. والحقيقة كانت أن الطبيبين حقناه ببكتيريا OX-19، وأنهما تمكنا من صنع وباء مزيف ليحميا مرضاهما وجيرانهما من المحاكمة.  ما فعله الطبيبان هو أنهما أنقذا حياة الرجل من خلال منحه صورة زائفة من المرض، ومنح الصورة الزائفة نفسها لعديد من الناس في المنطقة، لينقذا آلافاً من السكان. بارع في مواجهة النازيين  أحد الطبيبين كان اسمه يوجين لازوفسكي، وكان لازوفسكس بارعاً في مواجهة النازيين، من قبل حتى اختراع حيلة الوباء المزيف. فحين احتل الألمان بولندا، قتلوا ما يقرب من خُمس السكان في عمليات إعدام جماعية، أو بمعسكرات الاعتقال أو في أثناء عمليات الإبادة. حينها وجد الأطباء البولنديون أنفسهم أنها مهمة صعبة، لا تقتصر على علاج المرضى مثلما اعتادوا، ولكن الدفاع عن حياتهم وحياة أسرهم. لذا بدأ لازوفسكي شن ما سماها “حرباً خاصة” على المحتلين، فبعد أن هرب من أحد معسكرات أسرى الحرب الألمانية بتسلق الجدار وركوب عربة يجرها حصان وجدها فارغة، عاد إلى وطنه في روزوداو وعمل مع الصليب الأحمر البولندي.  كان منزله ملاصقاً للسور الفاصل بين الغيتو اليهودي (منطقة عزل اليهود وهي أشبه بالمعتقلات) وسائر المدينة، وسمحت الأوضاع داخل الغيتو بظهور الأمراض، مع منع الطبيب من معالجة أي يهودي، ومن ثم رتب لطريقة خاصة لمساعدتهم.  كان أي شخص داخل الغيتو يشعر بالمرض، عليه أن يربط قطعة قماش على السور، ومن ثم يتسلل الدكتور لازوفسكي في جنح الليل؛ لإحضار المستلزمات الطبية ومعالجة المريض. وحتى لا يكتشف النازيون أمره، زوّر في دفاتره وبالغ في مقدار المستلزمات الطبية والأدوية المستخدمة على المرضى من غير اليهود. أما عن ستانيسلو ماتوليفيتش، صديق لازوفسكي، فقد ساعده كثيراً في حماية أهل المدينة من النازيين، مستغلين خوف النازيين من العدوى والتلوث. النازيون يصابون بالرعب..  بعد أن ضربت إشاعة عدوى التيفوس الخنادق إبان الحرب العالمية الأولى، أصيب النازيون بالرعب من احتمال تفشي الوباء في صفوف جنودهم؛ وهو ما دفع السلطات الألمانية في بولندا إلى أن تطلب من الأطباء الإبلاغ عن جميع الحالات التي تأكدت إصابتها بالتيفوس أو التي يشتبه في إصابتها بها، وإرسال عينات الدم إلى المعامل الخاضعة للسلطات الألمانية لفحصها.  كيف كان يجري الفحص؟  استناداً إلى بحث أُجري عام 1916، كان اختبار فايل فيليكس الطبي أكثر اختبارات التيفوس شيوعاً في تلك الفترة، وهو اختبار يدرس الأجسام المضادة التي ينتجها الجهاز المناعي في الجسم، لذا فإن نوعاً من البكتيريا اسمه  بكتيريا OX-19 “وهي تسبب عدوى القناة البولية”، حين تختلط بعينة الدم المأخوذة من المريض، تعطي إشارة إيجابية إلى الإصابة بالتيفوس. وبينما كان الطبيب “ماتوليفيتش” يتعلم كيفية إجراء الفحص بنفسه بحيث يتمكن من تشخيص المرضى اليهود والتكتم على أمرهم، اكتشف أن أي شخص يُحقن بالبكتيريا الميتة نفسها OX-19 سيفرز الأجسام المضادة نفسها؛ ومن ثم ستخرج نتائج تحليل التيفوس له إيجابية. وكتب شارحاً هذا الأمر بعد ذلك: “تبين لي فوراً أن اختبار فايل فيليكس الاصطناعي يمكن استخدامه كوسيلة للدفاع عن النفس ضد سياسات الحكومة الألمانية المحتلة”. واقترح استخدام نتائج الاختبارات المزيفة لخلق “وباء” تيفوس في مدينة روزوداو وما حولها؛ لإبعاد الألمان عنها. وبدأ الطبيبان بالعامل الذي كان في إجازة، ثم أي مريض غير يهودي تظهر عليه أعراض تشبه المراحل الأولى من التيفوس مثل الحمى والسعال والآلام يحقنونه ببكتيريا OX-19 الميتة، بزعم أن تلك الحقن تأتي ضمن خطة “علاج لتحفيز البروتينات”. خضع البولنديون المصابون بالمرض للحجر الصحي، وأُعفوا من الاحتجاز في معسكرات الأشغال، أما اليهود المصابون بالعدوى فكان يجري إعدامهم. عند الإبلاغ عن عديد من الحالات في مكان واحد، كانت سلطات الصحة العامة الألمانية تعلنها “منطقة موبؤة”.  وهذا الوضع أثبت أن له مزايا عديدة لسكان تلك المنطقة، لأن “الألمان كانوا يتجنبون تلك المناطق؛ ومن ثم كانت في ذلك رحمة نسبية لسكانها من فظائع النازيين”. أنقذوا مدينتهم.. عمِل الطبيبان سراً ولم يخبرا حتى المرضى بما يفعلانه، ولم يكشفا عن مخططهما أمام العالم إلا عام 1977، في مقال مخصص للنشرة البريدية للجمعية الأمريكية للميكروبيولوجيا.  حرص الطبيبان أيضاً على محاكاة المد والجزر الخاص بالوباء الحقيقي، بحيث كانا يعطيان مزيداً من الحقن ويخلقان مزيداً من حالات “التيفوس” في فصلي الشتاء والخريف.  ولتضليل السلطات، لجآ إلى إحالة بعض المرضى إلى أطباء آخرين، بحيث يجري التشخيص والإبلاغ بعدوى التيفوس بعيداً عنهما. وكتب الطبيبان: “تم الإبلاغ عن مزيد ومزيد من نتائج فايل فيليكس الإيجابية من جانب المعامل الخاضعة لسيطرة الألمان، وأكدنا نحن صحة هذه التقارير. وسرعان ما وصل العدد المبلّغ عنه إلى الحد الذي يكفي لإعلان المنطقة التي نعمل بها (نحو اثنتي عشرة قرية) منطقة موبوءة، وهو ما منحها تحرراً نسبياً من القمع”. كادت كذبة الطبيبين هي أن تنكشف بفعل انعدام حالات الوفاة، إذ بدأ النازيون يتساءلون لماذا لم يفتك الوباء بسكان المدينة بعد، وحين أبلغ أحد الوشاة السلطات أن الوباء ليس خطراً، ومن هنا تم إرسال فريق من الأطباء الألمان إلى البلدة لتقصي الأمر. استقبل لازوفسكي الزائرين بالترحاب وبمائدة من الطعام والفودكا البولندية وفي أثناء جلوس كبار الأطباء الألمان لتناول الطعام، طاف صغار الأطباء البلدة مع الطبيب لازوفسكي، الذي كان قد جمع قبل الزيارة المرضى الذين يوحي مظهرهم بالمرض الشديد ممن حُقنوا بالبكتيريا، في غرفة قذرة.  ونظراً إلى خوف الأطباء الشباب من الإصابة بالعدوى، اكتفوا بمنح المبنى والمرضى نظرة خاطفة، وغادروا سريعاً بعد أن أجروا قليلاً من اختبارات تحليل الدم؛ للتأكد من وجود الوباء.  أما الأطباء الكبار المشرفون عليهم، فربما أعجبتهم الفودكا للحد الذي منعهم من التأكد بأنفسهم، وهو ما وصل إليه الأطباء الشباب. أصبحت منطقة الحجر الصحي التي أوجدها لازوفسكي وماتوليفيتش ملآذاً آمناً لليهود البولنديين، الذين تمكنوا من الاختفاء في المدينة تحت غطاء الوباء المزيف، دون خوف من أن يكتشف النازيون أمرهم.  وبعد كل هذه التدابير، تمكن الطبيبان من إنقاذ ما يقرب من 8000 شخص من القتل أو الحبس إبان الحملة التي استمرت ثلاث سنوات، بمساعدة بكتيريا ميتة تسبب عدوى في القناة البولية، ليثبتا بذلك أن سرنجة الحقن أحياناً تكون أصدق إنباءً من السيف والكتب.