حيوية سينما عربية في "مالمو": مرايا بلاد وأفراد

تُقام الدورة العاشرة لـ"مهرجان مالمو للسينما العربية" في السويد بين 8 و13 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، رغم تفشّي وباء كورونا، مُقدّمة أفلاماً عربية حديثة الإنتاج.

حيوية سينما عربية في "مالمو": مرايا بلاد وأفراد

يستعدّ "مهرجان مالمو للسينما العربية (السويد)" لإقامة دورته الـ10 بين 8 و13 أكتوبر/ تشرين الأول 2020. مؤسّسه ومديره محمد قبلاوي يُعلن مراراً أنّ التزام القواعد الصحّية، المفروضة بسبب كورونا، أساسيّ. الاحتفال بالسينما العربية يستمرّ في إشاعة مناخٍ فني، رغم أنّ عدد مشاهدي أفلامها متواضع، بينما السوق تشهد وفرة في المشاريع، وإدارة قبلاوي متمكّنةٌ من حثّ جهات إنتاجية على إعطاء سينمائيين وسينمائيات عربٍ منحاً تُساعد على إكمال ما يجهدون في عمله، وفقاً لاختيارات لجان تحكيم خاصّة بها.

الدورة الـ10 هذه مُنتَظرة منذ العام الماضي. الرقم يُثير رغبةً في احتفال سينمائي مختلف، لكن كورونا يُبدِّل بعض الخطط، من دون أنْ يؤجّل الدورة أو يُلغيها. غالبيّة الأفلام المشاركة تعكس شيئاً من بيئاتٍ واجتماع وعلاقات وتأمّلات. أفلام حديثة الإنتاج، منها فيلمان مغربيان حاصلان على منحٍ تمويلية من سوق المهرجان نفسه في دورته السابقة (8 ـ 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2020): "من أجل القضية" لحسن بنجلون و"نساء الجناح ج" لمحمد نظيف. وإذْ يفتتح "آدم"، للمغربية مريم توزاني، الدورة الجديدة، فإنّ الجزائري "مطاريس"، لرشيد بن حاج، يختتمها، علماً أنّ "ليالٍ عربيّة" تكتفي بـ3 أفلام: "إلى بغداد" لأنور الياسري و"بغداد في خيالي" لسمير جمال الدين و"صندوق الدنيا" للمصري عماد بهات.

 

 

جنسيات عربيّة مختلفة لمخرجي الأفلام الـ12 (البرنامج الرئيسي) تقول شيئاً من حيوية اشتغال، من دون أنْ تُفْرز الحيوية نتاجات متشابهة في الجودة الفنية والجمالية والدرامية. بعض تلك الأفلام معروضٌ في مهرجانات ولقاءات وأحداثٍ سينمائية سابقة، ومُثير لتساؤلات وتأمّلات في أحوال السينما العربية الجديدة، تنبثق (التساؤلات) من اختبارات جدّية في التصوير والتمثيل والمعالجة والتقنيات، مع تغليب قلّة منها لموضوع أو تفكيرٍ في ذاكرة وتاريخ. فالمغربي حسن بنجلون يريد قولاً في فلسطين وتمزّقاتها، عبر علاقة موسيقية بين فلسطيني وفرنسية يهودية ذات أصل مغربيّ، واللبناني وليد مونّس يستعيد لحظة الاجتياح الإسرائيلي للبنان (1982) ليكشف ـ من خلال "قصّة حبّ لطيفة" بين مراهِقَين ـ بعض معالم تلك المرحلة، اجتماعياً وسياسياً. لكنّ الموضوعين طاغيان كلّياً على الاشتغالات السينمائية، التي تفقد مفرداتها في أساسيات المهنة.

وإذْ تبدو الصورة السينمائية لـ"ستموت في العشرين" للسودانيّ أمجد أبو العلا باهرة في التقاط نبض حكاية شاب يعيش هاجس موته الباكر منذ ولادته، فإنّ الصورة نفسها لـ"شارع حيفا" للعراقي مهند حيّال تكشف قسوة حربٍ تمزِّق نفوساً وذواتٍ وعلاقات بشرية، مُطلّةً، في الوقت نفسه، على ماضٍ يضغط على راهن الخراب. وفي مقابل سلاسة السرد والحكاية في "لما بنتولد" للمصري تامر عزت، والحكاية رومانسية مبسّطة، تُضيء بعض مآزق واقعٍ ديني متصادم بين مسلمين وأقباط، بتواضع؛ تروي المصرية ماريان خوري، في "احكيلي"، تاريخاً شخصياً غير منغلق على محطات وتواريخ وحالات منبثقة من الحميميّ، ومنفلشةً على خارطة جغرافية وإنسانية وسينمائية متنوّعة.

 

 

للوثائقي العربيّ حضورٌ آخر، مع مشاركة "الحديث عن الأشجار" للسوداني صهيب جاسم الباري، الذي يخوض بدوره مغامرة التنقيب في ذاكرة وتاريخ وسينما وجغرافيا وبيئة واجتماع، مع سينمائيين سودانيين يستعيدون ماضياً عريقاً لهم، قبل أنْ "تصمت" السينما في بلدهم سنين مديدة، سابقة على إعادة انطلاقتها مع جاسم الباري وأبو العلا، ومعهما مروى زين و"أوفسايد الخرطوم" (وثائقي عن شابات يرغبن في كرة القدم ويواجهن قمع النظام العسكري الإسلامي) غير المُشارك في "مالمو". والوثائقي اللبناني "بيروت المحطة الأخيرة" لإيلي كمال غير منفضّ عن حالة سينمائية عربيّة، متأتية من بحثٍ في ذاكرة بلدٍ ومدينة، وفي تاريخ عيشٍ وتفاصيل، لقراءة مسارٍ يصبّ في راهنٍ معطّل أو مرتبك أو طامحٍ إلى نفاذٍ من بؤس العيش وشقائه. وهذا غير مبتعدٍ عن الذاتي والحميميّ، وإنْ يتّخذ التعبير عنه في السياق الدرامي العام أشكالاً مختلفة. فكمال، في أول فيلمٍ سينمائيّ طويل له، يروي حكاية السكك الحديدية والقطارات في لبنان منذ سنين طويلة، كاشفاً ـ في سرده هذا ـ أحوال بلدٍ مع احتلالات وانكسارات وتحوّلاتٍ وصدامات وتمزّقات ورغباتٍ. بينما يعتمد اللبناني أحمد غصين، في "جدار الصوت"، أول روائيّ طويل له بعد أفلام قصيرة وتجريبية مختلفة، على لقاء ماضٍ مدمّى براهنٍ يبدو أكثر حُطاماً وألماً وانشقاقات، من دون الخروج من لحظة "حرب تموز" الإسرائيلية على لبنان، في يوليو/ تموز ـ أغسطس/ آب 2006.

لقاء كهذا حاضرٌ في "بين الجنّة والأرض"، للفلسطينية نجوى نجّار. فالتوافق بين الزوجين على طلاق أحدهما من الآخر يؤدّي بهما إلى نبش ماضٍ غير قادر على أنْ يبقى ماضياً. واستعادته، أثناء البحث عن مستندٍ ضروريّ لإكمال معاملات الطلاق، يحثّ على نوعٍ من قراءة سينمائية لأحوالٍ مبطّنة وخفايا تُكشَف شيئاً فشيئاً.

نماذج كهذه تُضاف إلى أفلامٍ أخرى: "بيك نعيش" للتونسي مهدي برصاوي و"سيّد المجهول" للمغربي علاء الدين الجمّ و"المرشّحة المثالية" للسعودية هيفاء المنصور، بالإضافة إلى 26 فيلماً قصيراً.