دموع بوروندية وتعدد صيني وتخلّف فرنسي

حكاية "له ما له وعليه ما عليه" لن تنفع أبداً مع ديكتاتور بوروندي الراحل بيير نكورونزيزا، هذا ما كتبته كيتي نيفياباندي، الشاعرة والناشطة الحقوقية البوروندية، في مقال حزين نشرته مجلة "ذا ويك" الأميركية.

دموع بوروندية وتعدد صيني وتخلّف فرنسي
حكاية "له ما له وعليه ما عليه" لن تنفع أبداً مع ديكتاتور بوروندي الراحل بيير نكورونزيزا، هذا ما كتبته كيتي نيفياباندي، الشاعرة والناشطة الحقوقية البوروندية، في مقال حزين نشرت مجلة "ذا ويك" الأميركية مقتطفات منه، جاء فيها: "سامحوني إذا لم أشارك في الحداد على بيير نكورونزيزا، لأنني سأوفر دموعي من أجل الضحايا الذين ضاعت حياتهم وأثقلت أرواحهم بالحزن والألم بسبب سياسات نظامه".كان رئيس بوروندي، البالغ من العمر 55 عاماً، قد توفي، الأسبوع الماضي، بعد إصابته بأزمة قلبية، طبقاً لما أعلنته الجهات الرسمية، في الوقت الذي انتشرت فيه بكثافة شائعات عن إصابته بـ"كوفيد 19"، خصوصاً أن زوجته كان قد تم نقلها على وجه السرعة قبل ذلك بأيام إلى كينيا لكي تتلقى العلاج هناك، وبالطبع لن يكون من السهل معرفة حقيقة ما الذي جرى للديكتاتور وزوجته، لأن نكورونزيزا قام منذ سنوات بتأميم وتكميم كل الصحف ووسائل الإعلام الحرة والمستقلة في البلاد، وأصبح من المستحيل أن تحصل على معلومة مؤكدة عما يحدث فيها ولأهلها.تذكر كيتي نيفياباندي في مقالها بحزن بالغ تلك الآمال التي عقدها الكثيرون على بيير نكورونزيزا حين تولى السلطة لأول مرة في عام 2005 بعد نهاية عقد كامل من الحرب الأهلية، وكيف كانت الأجواء مفعمة بالآمال والإمكانيات التي أثارتها رئاسة نكورونزيزا، المنتمي إلى عرقية الهوتو ذات الأغلبية السكانية والتي تعرضت للقمع طويلاً قبل اندلاع الحرب الأهلية، خصوصاً بعد أن تعهد في كل خطاباته وتصريحاته وحواراته بإحداث تغييرات حقيقية تكفل تحقيق العدالة الاجتماعية وتضمن مجانية التعليم الأساسي وتوفير الرعاية الصحية للأمهات والأطفال، لكن تلك الوعود سرعان ما غرقت في بحور الفساد، ومع بدء فترته الرئاسية الثانية، بدأ معارضو نكورونزيزا البارزين الذين ينتقدون عدم وفائه بوعوده يتعرضون للقتل والتنكيل. زادت الأمور بشاعة، حين أعلن نكورونزيزا في عام 2015 عزمه على الاعتداء على نصوص الدستور الذي أقسم عليه، ليلغي المادة التي تقصر فترات الرئاسة على فترتين، فيتسنى له الحكم لفترة أطول، وحين اندلعت مظاهرات حاشدة اعتراضاً على ما قام به، أطلق العنان لقوات الأمن لكي تقمع المتظاهرين، ليتم تسجيل حالات اغتصاب وإحراق ممتلكات قامت بها أجهزة الأمن ضد المتظاهرين والمعارضين لرغبة نكورونزيزا في تأبيد حكمه. تنقل كيتي نيفياباندي في مقالها شهادة أدلت بها إحدى المتظاهرات عن قيام بعض رجال البوليس وبعض أعضاء العصابات المسلحة التي يرعاها النظام باغتصابها بشكل جماعي أمام أطفالها، وحين رفض ابنها المراهق أن يلبي طلبهم بالمشاركة في اغتصاب أمه، قاموا بإطلاق النار عليه.من أجل تلك السيدة وابنها وآلاف الضحايا الذين سقطوا في عهد نكورونزيزا تبكي كيتي نيفياباندي وهي تختم مقالها قائلة: "أبكي اليوم، نعم، وأنتحب من أجل البلد الذي كان يمكن أن يكون أفضل وأجمل خلال السنين الماضية، من أجل الدماء التي كان يمكن أن نحقنها"، ولعلك أصبحت تعلم بحكم التجربة المريرة أنّ كثيراً من أبناء وطنها لن يشاركوها للأسف في البكاء على الضحايا، لأنهم يحبون لوم الضحايا، ويفضلون ذكر محاسن الجلادين الموتى والأحياء......قرأت الأسبوع الماضي عن أغرب أو فلنقل "أوسخ" محاولة لتقديم حل لظاهرة "الأغصان الجدباء" التي تعاني منها الصين، وهو مصطلح يشير إلى أزمة اختلال التوازن السكاني التي ظهرت بقوة في السنوات الأخيرة كنتيجة حتمية لسياسة "طفل واحد فقط" والتي فرضها الحزب الشيوعي الحاكم بالقوة في الفترة من 1980 وحتى 2016، وقادت الكثير من الأزواج إلى أن يختاروا إجهاض أي جنين تشير الفحوصات إلى كونه أنثى، ليحتفظوا في المستقبل بفرصة إنجاب أطفال ذكور يمكن أن يعينوا الأسرة بشكل اقتصادي أفضل، وهو ما أدى في النهاية إلى أن يزيد عدد الذكور عن عدد الإناث في الصين بما يقارب الـ34 مليون شخص، وهو ما أدى إلى نشأة جيل من العزاب الذكور أصبح يطلق عليهم اسم "الأغصان الجدباء أو القاحلة" تعبيراً عن معاناتهم في البحث عن شريك وتكوين أسرة.الحل الذي أثار ضجة عنيفة بعد نشره، طرحه أستاذ اقتصاد مرموق يعمل في جامعة فودان اسمه ييو كوانج نج، وقد نشره في عمود يكتبه في أحد المواقع الإخبارية البارزة عنوانه "كيف تعيش سعيداً"، حيث أشار بعد استعراض مكثف لتفاصيل الأزمة التي يعيشها ملايين الرجال الصينيين الذين لا يجدون فرصة لإشباع احتياجاتهم الجسدية والنفسية، إلى أن العلاج الحاسم لذلك يكمن في تعدد الأزواج، معتبراً أنه لن تكون هناك مشكلة بالنسبة للمرأة الصينية إذا كان لديها زوجان أو أكثر، سواء من ناحية الممارسة الجنسية أو المهام المنزلية، قائلاً في نص مقاله: "من الشائع بالنسبة للعاهرات أن يقمن بخدمة عشرة زبائن في اليوم أو أكثر، كما أن إعداد وجبات طعام لثلاثة أزواج لن يأخذ وقتاً أطول من إعداد وجبات الطعام لزوجين فقط".طبقاً لما نقلته الصحافية يلين تشين في موقع CaixinGlobal.com فقد تعرّض البرفيسور البالغ من العمر 77 عاماً إلى حملة عنيفة على مواقع التواصل الاجتماعي بعد نشر مقاله، وحين حاول التخفيف من وقع كلامه، زاد الطين عبطاً، حين قال إنه يعرف طبعاً أن وظيفة الزوجة تتجاوز إعداد الطعام وتقديم الخدمات الجنسية، لكنه كان يحاول المساهمة بشكل علمي في حل مشكلة تهدد سعادة المجتمع الصيني، ليرد عليه منتقدوه بأنه مهتم بسعادة الرجال فقط، دون أن يهتم برأي النساء اللواتي لا يمثل تعدد الأزواج لهن حلماً كما يتخيل، مؤكدين على أن حله المتخيل لن يجد طريقه إلى التنفيذ في المجتمع الصيني أبداً، في الوقت الذي يعتقد فيه البعض أن معركة مثل هذه ستثور في المجتمع الصيني من الأساس، لو لم تسمح بها السلطات الصينية التي تمارس رقابة خانقة على جميع مواقع الإنترنت، وإذا كنت تعتقد أنهم يغالون في سوء الظن، حين اعتبروا أن مقال البروفيسور الصيني كان محاولة لجس النبض، فربما دفعتك مشاهدة فيلم (One Child Nation) الذي قام بتوثيق إجراءات ونتائج تلك السياسة الكارثية إلى عدم استبعاد ذلك الظن، وسواءً كان ذلك المقال تخريجة فردية أم بالونة اختبار، فإن المجتمع الصيني سيظل مطالباً بمواجهة تلك الأزمة التي لن تختفي بالسيطرة على الإنترنت ومن يستخدمونه......"لماذا نحن متخلفون عن غيرنا دائماً؟" سؤال طرحه الكاتب الفرنسي سيلفان كوراج في صحيفة L OBS ـ "لونوفيل أوبزرفاتور" سابقاً ـ ساخراً من الاختيارات السياسية للفرنسيين الذين يحبون أن يُنظر إليهم بوصفهم مبتكرين في مجال الموضة، لكنهم في مجال السياسة يتأخرون بخطوات كثيرة عن اللحاق بركب العالم. شارحاً فكرته أكثر بقوله: "في الستينيات حين تولى حكم الولايات المتحدة سياسي شاب راغب في الإصلاح مثل جون إف كينيدي، قمنا بانتخاب شارل ديغول الجنرال المتقاعد شبيه أيزنهاور الذي كان قد ترك الحكم في أميركا. في الثمانينيات حين سيطرت على العالم عقيدة اليمين المحافظ المناهض للضرائب والممثلة في سياسيين مثل مارغريت تاتشر ورونالد ريغان، أوصلنا إلى الحكم اليساري فرانسوا ميتران الذي وعد بتطبيق سياسات اشتراكية حالمة ستغير حياتنا. وفي العقد التالي حين تسيدت الساحة أفكار الطريق الثالث التي مثلها سياسيون مثل الأميركي بيل كلينتون والبريطاني طوني بلير والألماني غيرهارد شرودر، قررت فرنسا أن تكتشف المشروع المحافظ وتنحاز له، واختارت جاك شيراك أقل زعماء العالم الحر إصلاحية".وبرغم أن الفكرة التي طرحها سيلفان كوراج في مقاله بها الكثير من التبسيط المخل، إلا أن أهم وأطرف ما فيها هو ما جاء في جزئها الأخير الذي كتب فيه قائلاً: "وحين اجتاحت الشعبوية الترامبية الكون وانتشرت في إيطاليا وبريطانيا وغيرها من الدول، أصبح يحكمنا ليبرالي شاب محب للاتحاد الأوروبي هو إيمانويل ماكرون، فهل معنى ذلك أننا في طريقنا للابتلاء بحاكم شعبوي شبيه لترامب في انتخابات 2022؟ دعنا نأمل ألا يحدث ذلك وأن تتخلى فرنسا ولو لمرة عن تطبيق طريقتها في مخالفة العالم والتخلف عن ما يجري فيه من تطورات وتغييرات، خصوصاً أن أفضل الحكومات اليوم في العالم تقودها سيدات أظهرن قدرة على القيادة والتعاطي الإيجابي مع الأزمات مثل رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أرديرن ورئيسة وزراء الدنمارك ميتا فريدريكسن، فهل يمكن أن نتقدم نحو هذا المسار هذه المرة؟".سأترك لك التعليق.