سنجوع بدون هؤلاء العمال.. ما يجب أن تتعلمه أستراليا عن الزراعة بعد أزمة كورونا

في خضم حالة تخزين المؤن وأرفف المتاجر الخالية التي سببها فيروس كورونا، سارع الساسة إلى طمأنتنا بإمكانية الاعتماد على أنظمة الإمدادات الغذائية الأسترالية. وفي رسالة كتبها وزير الزراعة، ديفيد ليتلبرود، إلى صحيفة The Guardian الأسبوع الماضي، انتقد التدافع “السخيف” على الشراء بدافع الهلع، وقال: “من المهم أن نفهم أن المزارعين الأستراليين ينتجون طعاماً يكفي 75 […]

سنجوع بدون هؤلاء العمال.. ما يجب أن تتعلمه أستراليا عن الزراعة بعد أزمة كورونا
في خضم حالة تخزين المؤن وأرفف المتاجر الخالية التي سببها فيروس كورونا، سارع الساسة إلى طمأنتنا بإمكانية الاعتماد على أنظمة الإمدادات الغذائية الأسترالية. وفي رسالة كتبها وزير الزراعة، ديفيد ليتلبرود، إلى صحيفة The Guardian الأسبوع الماضي، انتقد التدافع “السخيف” على الشراء بدافع الهلع، وقال: “من المهم أن نفهم أن المزارعين الأستراليين ينتجون طعاماً يكفي 75 مليون شخص: أي ثلاثة أضعاف حاجتنا”. وأضاف أن المزارعين “سيزاولون بهدوء عملهم في إنتاج الطعام. والتحضير لزرع المحاصيل وجنيها والتأكد من أن منتجهم يصل إلى السوق”. لكن الواقع هو أن قطاع إنتاج الأغذية يعتمد على عشرات الآلاف من العمال، وجزء ضخم من هؤلاء هم عمال موسميون ومهاجرون. وبينما تُغلق الحدود ويزداد تطبيق التباعد الاجتماعي من أجل تسوية منحنى معدلات الإصابة، علينا أن نفكر على عجالةٍ في القوى العاملة التي تعتمد عليها سلاسل إمدادات الأغذية.  لا يغفل ليتلبرود أو قطاع الزراعة عن حقيقة الاعتماد على العمال المهاجرين. وقد أعرب وزير الزراعة عن وجود حاجة إلى “تأمين العمالة”، ووعد بإدخال “تعديلات بسيطة” على نظام التأشيرات، في ظل تمثل تبعات ذلك في احتمال تمديد تأشيرات بعض العمال من إجمالي 140 ألف عاملٍ في العطلات و7 آلاف عامل موسمي موجودين في البلاد حالياً، لتمكينهم من مواصلة عملهم هنا. ومن جانبه يطلب الاتحاد الوطني للمزارعين NFF ضمانات باستمرار تزويده بالعمال الأجانب، وخاصة في قطاع البستنة. ويتحدث كل من الاتحاد الوطني للمزارعين والحكومة الفيدرالية عن تأمين إمدادات من العمال الزراعيين، وكأن الأمر يشبه تأمين إمداد موثوق من أجزاء المحركات. لكن العمالة الزراعية ليست مجموعة من المُدخلات في سلسلة الإمدادات، بل هم مئات الآلاف من العمال: أناس لهم عائلات ومجتمعات وموارد رزق يحافظون عليها، وأجساد تشبه غيرها في احتمال التعرض للإصابة والمرض (بل وأكثر من غيرها في بعض الأحيان). وتُعد التحديات في قطاع البستنة صعبة. إذ إن القطاع الآن في منتصف موسم الحصاد، وهي مرحلة حرجة في دورة الإنتاج، وحينها يكون الطلب على العمال في ذروته. يعمل المهاجرون المؤقتون والعمال المحليون الموسميون في التقاط الفاكهة وحصد الخضراوات وتصنيف المحاصيل وتعبئتها في أكواخ التعبئة في أنحاء البلاد. ويأتي آلاف من هؤلاء العمال من جزر المحيط الهادئ، للعمل هنا بموجب برنامج العمال الموسميين SWP، الذي يمنح تأشيرات محدودة بشكلٍ صارم، بقصد سد الطلب على العمالة الموسمية في قطاع البستنة تحديداً. ويُفترض أن تعود عدة مجموعات من العمال إلى بلادهم في الأسابيع والأشهر المقبلة. وقد تحدثتُ مع أحد مقاولي الأعمال لديه مجموعة من العمال التابعين لبرنامج SWP الذي يُفترض رحيلهم إلى مواطنهم خلال أيام. أُلغيت رحلاتهم ويُفترض أن تنتهي تأشيراتهم في اليوم التالي. أما المجموعات الأخرى من العمال الذين يُفترض وصولهم إلى أستراليا لأداء أعمال الحصاد الأساسية، فهم غير قادرين على ترك منازلهم في ظل إغلاق دول المحيط الهادئ حدودها. ومن شأن “التعديلات البسيطة” في نظام التأشيرات أن تُعالج جزءاً من مشكلتهم، وتمكنهم من البقاء والعمل مدةً أطول (بالرغم من أنه في وقت حديثنا، لم يكن المقاول قد تلقى أي توجيهات من إدارة التشغيل المسؤولة عن البرنامج)، لكنها لن تتناول التحديات البشرية والسياسية الأصعب. ماذا لو كان مواطنو جزر المحيط الهادئ (أو السياح الرحالة أو غيرهم من العمال المؤقتين المهاجرين) لا يريدون أن يُستغلوا بوصفهم مصدراً دائماً للعمالة يتجاوز عقودهم التي اتفقوا عليها؟ وإذا استمر الوضع الحالي 6 أو 12 شهراً، أو أكثر من ذلك، فما نوع المحفزات أو القيود التي ستُفرض للحفاظ على العمالة الزراعية؟ بالنسبة لهؤلاء الذين يواصلون العمل، فما التداعيات الصحية والمخاطر التي قد يتعرضون لها؟ يعمل العاملون في أكواخ التعبئة لساعات طويلة مجاورين بعضهم بعضاً، وعادة يعيش عمال الجمع في مساكن مشتركة مزدحمة. وهذه الوظائف، مثلها مثل كثير من الوظائف اليدوية ووظائف قطاع الخدمات منخفضة الأجر، لا يمكن أداؤها من المنزل، وهي حقيقة تُسلط الضوء على شدة تفاوت مستويات التعرض للخطر والقابلية للتأثر بين المجموعات المختلفة -والمُصنفة عرقياً في أحيانٍ كثيرة- من العمال. وإذا أُغلقت أكواخ التعبئة والبساتين وغيرها من مواقع إنتاج الأغذية، في خضم المخاوف الصحية، فماذا سيكون التأثير المالي على عمال قطاع الزراعة -المؤقتين والمحليين على السواء- وأغلبيتهم الساحقة غير رسميين ولا يتمتعون بإجازات مرضية أو غيرها من الاستحقاقات؟ هل الحكومة الفيدرالية مستعدة للالتزام بتغطية تكاليف الرعاية الصحية وفقدان الدخل بسبب إصابة العمال الذين تسعى إلى تأمينهم؟ ينبغي لها ذلك. عندما يعود العمال إلى بلادهم -إذا حدث ذلك- فكيف سنضمن أننا لا نُرسل أشخاصاً مُصابين بالعدوى إلى أوطانهم ومجتمعاتهم في مختلف أنحاء المنطقة حيث الأنظمة الصحية غير مؤهلة للتعامل مع الأزمات التي قد ينتجها تفشي مرض كوفيد-19؟ وقد بدأت دول المحيط الهادئ تشهد أولى الحالات المُصابة بالفيروس، وستكون الآثار المترتبة على زيادة انتشار العدوى كارثية. وهكذا، فإن مسؤوليتنا تجاه المنطقة تتطلب ألا نُعرضها للخطر. أنهى ديفيد ليتلبرود رسالته بنداء لـ”المواطنين الأستراليين” للعمل معاً ودعم “مزارعينا”. وتُعد إحدى أشد المخاطر الكثيرة التي تحيط بهذه الجائحة هي أنها ستُفاقم النزعة القومية المنغلقة، وستضاعف كل أنواع الحدود (المادية والسياسية والاجتماعية والثقافية) لمدة طويلة بعد تراجع تهديد مرض كوفيد-19. لنفكر في مجال إنتاج الأغذية. لكن لنفعل ذلك بطرقٍ لا تجعلنا نعود إلى مفاهيم مغلوطة عن الاكتفاء الذاتي الوطني. إذ ما يجب أن تبرزه جائحة كوفيد-19 وآثاره على أنظمتنا الغذائية هو اندماجنا العميق في الشبكات الإقليمية والعالمية، ومسؤوليتنا تجاه جميع هؤلاء الذين يُطعموننا. – هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. فيكتوريا ستيد هي عالمة أنثروبولوجي وزميلة أبحاث كبيرة في معهد ألفرد ديكن، بجامعة ديكن الأسترالية