صارع الموت مرات عديدة في غوانتانامو والآن يجلس في مفاوضات الدوحة.. من هو القائد الأفغاني محمد بن نبي عُمري؟

في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 جلس محمد نبي عُمري على مكتبه كرئيس حرس الحدود في حكومة طالبان الأفغانية وقد تسمر رأسه تجاه التلفاز الذي لم تذع قنواته كلها سوى مشاهد برجي التجارة بنيويورك وهما ينهاران بعد اصطدام طائرتين، تماماً كما سينهار تنظيمه بعدها بأشهر قليلة وسيجلس هو على مقعد آخر مُعد للتحقيق والتعذيب في […]

صارع الموت مرات عديدة في غوانتانامو والآن يجلس في مفاوضات الدوحة.. من هو القائد الأفغاني محمد بن نبي عُمري؟

في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 جلس محمد نبي عُمري على مكتبه كرئيس حرس الحدود في حكومة طالبان الأفغانية وقد تسمر رأسه تجاه التلفاز الذي لم تذع قنواته كلها سوى مشاهد برجي التجارة بنيويورك وهما ينهاران بعد اصطدام طائرتين، تماماً كما سينهار تنظيمه بعدها بأشهر قليلة وسيجلس هو على مقعد آخر مُعد للتحقيق والتعذيب في سجن غوانتانامو.

احتضنت حركة طالبان أسامة بن لادن، رأس تنظيم القاعدة المسؤول عن هذه الهجمات، وعندما طالبتها الولايات المتحدة بتسليمه، رفضت ما لم تُقدم أدلة وثيقة على علاقته بما حدث وهو ما رد عليه جورج بوش الابن باحتلال أفغانستان في أكتوبر/تشرين الأول من نفس العام، ولم تحتج القوات الأمريكية سوى شهرين للإجهاز على التنظيم الشمولي.

بعد 19 عاماً، وفي نفس التاريخ تقريباً، جلس نبي عُمري على مقعد ثالث، هذه المرة كان مقعد طاولة دائرية كبيرة حيث على بُعد أمتار قليلة منه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، الرجل نفسه الذي انتقد خروجه من غوانتانامو قبلها بسنوات، فيما ترعى بلاده اليوم مفاوضات لإنهاء الانقسام بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، باحتضان من الدوحة، التي عاش فيها عُمري خلال السنوات الست الأخيرة.

بذكر الدوحة فإن البقاء فيها لم يكن اختيارياً بل إجبارياً، إذ غادر سجنه الأمريكي سيئ السمعة بعد 12 عاماً نتيجة اتفاق تبادل بين حركته والولايات المتحدة يخرج بمقتضاه رفقة 4 آخرين مقابل جندي أمريكي محتجز لدى طالبان. ولكن الاتفاق نص على بقائه في قطر لمدة عام دون مغادرته، ثم السماح له بالسفر بعد تقديم مذكرة بالأسباب.

ربما طوال هذه السنوات لم تسمع اسم المُلا محمد نبي عُمري من قبل، فلماذا تردد الآن تحديداً؟ ببساطة لأن صورة تضم بداخلها عُمري وبومبيو في نفس الإطار انتشرت على تويتر بعدما غرّد زميله السابق بغوانتانامو فايز الكندري عليها قائلاً: “إنه المعتقل السابق في غوانتانامو (الملا محمد نبي عمري).. لا زلت أذكر حين قال لي ونحن في المعسكر السادس وهو يشير إلى الشمس: (يقيني بالفرج والنصر أعظم من يقيني أن هذه الشمس طالعة، إنها مسألة وقت، والعاقبة للمتقين)”.

لفت بالتأكيد هذا المسار -من معتقل سابق إلى مفاوض لعب دوراً هاماً في عملية السلام- الأنظار نحو الرجل الذي حمل الرقم التسلسلي 832 خلال فترة حبسه الطويلة، والتي سبقها ضلوعه في رئاسة الاتصالات بالحركة، ومساعدته على تهريب أعضاء من تنظيم القاعدة من أفغانستان إلى باكستان، ثم تلاها اعتباره أحد أهم 10 قادة في طالبان.

تقول وثائق أمريكية قديمة مُسربة عن الرجل الخمسيني: “المُعتقل مسؤول كبير في طالبان ويلعب أدوارا متعددة. لديه روابط عملياتية قوية مع الميليشيات المضادة للتحالف واجتمع بشكل دوري مع أعضاء في القاعدة (…) لقد تورط في هجمات ضد القوات الأمريكية وكان يحتفظ بترسانات من الأسلحة وسهّل تهريب المقاتلين والأسلحة”، ثم وصفته بالمعُتقل شديد الخطورة الذي “يمثل تهديداً”.

تتبّع الوثائق مسار حياته التي بدأها كلاجئ على الحدود الباكستانية ثم مشاركته مع المجاهدين ضد السوفييت، فعودته إلى باكستان لتعلم بعض الدراسات الإسلامية، فانضمامه إلى طالبان وتركها ثم العودة من جديد والتدرج في المناصب.

ولكن تلك الوثائق تذكر أيضاً أن أحد عملاء وكالة الاستخبارات الأمريكية، ويُدعى “مارك”، حاول أن يجنّده من أجل إيجاد زعيم التنظيم وقتها المُلا عمر، مقابل 500 دولار وهاتف خلوي، وعندما لم ينجح في ذلك، نُصب له كمين لاحقاً لتعتقله القوات الأمريكية.

“لا شك أن هذا السجن عار على أمريكا، لأنه ما كان فيه حقوق البشر نهائيا. كانوا يستخدمون طرق تعذيب مموهة للدرجة التي تجعلك تعتقد أن بالداخل حيوانات وليس بشراَ أعوذ بالله. كانوا أحياناً يربطون أحدهم في الزنزانة من الصباح حتى المساء وأحياناً يملأون الزنازين بالماء البارد، وتارة أخرى بتبريد الجو عن طريق المكيّفات”، يستذكر عُمري في حواراً مع محطة “روسيا اليوم” فترة اعتقاله، مضيفاً: “عبثوا بالأسرى وكأنهم يلعبون الكرة. قالوا لي إن إطلاق سراحي يُشكل خطراً على أمريكا ولهذا سأبقى دون مدة محددة”.

محمد نبي عمري

يشير عُمري “كانت رسالة منهم (الأمريكيين) للعالم أننا نستطيع أن نسجن الناس دون محاكمة أو جريمة، كأنهم يقولون بوضوح: إن خالفتمونا ستصبحون مثل هؤلاء”. “كل من يخالف أمريكا يوصم بالإرهاب ويوضع في القائمة السوداء، لماذا؟ لأنه لا يجوز أن تخالف أمريكا أو تعارضها. هم يريدون السيطرة على العالم أجمع والعالم الإسلامي كذلك”.

وعن إيواء تنظيمه لابن لادن وعدم تسليمه، يحاول التبرير “في ذلك الوقت طلبنا منهم الشواهد والدلائل أن بن لادن فعل هذه العملية أو أمر بها، ولكنهم لم يملكوا دلائل مثبتة، الجميع يعرف أن ما حدث صناعة المخابرات الأمريكية”. عاجله المحاور: إذاً أنتم تعترفون أن بن لادن صنيعة أمريكا؟ أجاب بتروّ: “لا أظن ذلك والله أعلم، لقد هاجمت أمريكا أفغانستان لأننا أسسنا دولة إسلامية وهذا هو السبب الوحيد”.

يعتقد عُمري أن الحكومة الأفغانية لا تستطيع السيطرة على مجريات الحكم، مستشهداً بعدم قدرتها على  إحراق مزارع الأفيون التي اتهم الأمريكيين بالمتاجرة فيها، بعد إزاحة الملا عُمر الذي أحرق هذه المزارع كلها. وحدد وقتها شرطاً وحيداً لبدء حوار داخلي وهو خروج القوات الأجنبية من أفغانستان، إذ “يعني ذلك أننا سندخل في حوار أفغاني لن يأخذ وقتاً طويلاً”. كانت تلك الكلمات قبل عام من تواجده ضمن وفد حركته لمفاوضات السلام.

ورغم الانتقادات الكبيرة للرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما لسماحه بخروج “أخطر عناصر طالبان”، إلا أن صحيفة “واشنطن بوست” أشارت إلى أن المعتقلين الخمسة السابقين في غوانتانامو لعبوا دوراً مفاجئاً لكنه مُهم في التوصل إلى اتفاق السلام الذي أبرمته الحركة أواخر فبراير/شباط الماضي مع الولايات المتحدة في العاصمة القطرية الدوحة.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين وآخرين من الحركة الأفغانية، أن الرجال الخمسة عملوا من وراء الكواليس لحشد الدعم للاتفاقية المبرمة مع الولايات المتحدة.

ولم تفوّت التذكير بانتقاد دونالد ترامب -عندما كان مرشحاً للرئاسة عن الحزب الجمهوري- عملية تبادل أسرى طالبان بالرقيب الأمريكي بووي بيرجدال، واصفاً الأخير بأنه “عديم الفائدة وخائن نَتِن”، وسجناء طالبان المفرج عنهم بأنهم “خمسة قتلة” عادوا إلى ساحة المعارك مرة أخرى، أما بومبيو، فقد قال حينها إنه لا يرى دليلاً يؤكد أن سلوك الرجال الخمسة بات قويماَ، وأنهم لن “يعاودوا المحاولة لإلحاق الأذى بأمريكا”.

وذكر مسؤول كبير من طالبان –لم تذكر الصحيفة اسمه- أن الرجال الخمسة بذلوا “تضحيات جساماً” من أجل الحركة، وكانوا “أصدقاء ثقاة” لمؤسسها الملا محمد عمر.

ويحاول طرفا الصراع الأفغاني من خلال المحادثات معالجة القضايا الشائكة للتوصل إلى شروط وقف إطلاق نار دائم وحقوق المرأة والأقليات ونزع سلاح عشرات الآلاف من مقاتلي طالبان والميليشيات الموالية للحكومة.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net