ضربتها وأهانتها لأنها قبيحة.. هل يجب أن نحاسب الأطفال على مظهرهم؟

لا أستطيع أن أنسى المعلمة نهاية مما حييت. كنت في الصف الثاني عندما انتقلت إلى تلك المدرسة بعد أن غيَّرنا مكان سكننا، فأصبح من اللازم الانتقال لمدرسة قريبة من البيت. ولكون والداي معروفين، والوضع المادي لعائلتي مريح أتاح لي الكثير من الامتيازات، استُقبلت في المدرسة بالترحاب، والتقَبُّل، وسرعان ما اندمجت في صفي وداخل مجموعات الطالبات. […]

ضربتها وأهانتها لأنها قبيحة.. هل يجب أن نحاسب الأطفال على مظهرهم؟

لا أستطيع أن أنسى المعلمة نهاية مما حييت. كنت في الصف الثاني عندما انتقلت إلى تلك المدرسة بعد أن غيَّرنا مكان سكننا، فأصبح من اللازم الانتقال لمدرسة قريبة من البيت. ولكون والداي معروفين، والوضع المادي لعائلتي مريح أتاح لي الكثير من الامتيازات، استُقبلت في المدرسة بالترحاب، والتقَبُّل، وسرعان ما اندمجت في صفي وداخل مجموعات الطالبات. وأصبحت معروفة بين الجميع، طالبات ومعلمات، وأُتيحت لي فرص سخيَّة للمشاركة في النشاطات الطلابية التي كنت أحبها، وخاصة الإذاعة المدرسية التي رحَّبت بي المعلمة المسؤولة عنها، ومنحتني دوراً ريادياً فيها في مناسبات مختلفة.

خلاصة الموضوع أنني شعرت في تلك المدرسة وكأنني في بيتي الثاني بسبب التقبّل الإيجابي الداعم الذي لقيته طوال الوقت. ولكن، في قلب هذا الخضمّ، تلوح في ذاكرتي بقع داكنة، شديدة القتامة.. صورة طفلة قصيرة سمينة، بملابس غير مرتبة، وشعر أشعث أغبر معظم الوقت، وبشرة سمراء تكثر فيها النُّدب والخدوش، وفم كبير وأسنان صفراء غير منتظمة، وحقيبة رمادية كالحة لا تواكب أشكال وألوان الموضة الدَّارجة، ويبدو واضحاً أنها ورثتها من أحد إخوتها الكبار أو أحد المحسنين الذين لم يعد لديه طلاب في المدارس منذ زمن. 

وحتى دفاترها، لم تكن ذات ألوان زاهية وجميلة أسوة بمعظم الطالبات. أما مطرة المياه، فلم يكن لديها واحدة ذات مرة، بل تراها تضطر دوماً للاستئذان للخروج للشرب (هذا في حال وافقت المعلمة التي يغلب على طبعها الحاد الرفض)، أو تسوُّل شربة الماء من الطالبات اللاتي كُنَّ يرفضن ذلك بعنف في الغالب، ناهيك عن عبارات التقزز التي يذيِّلن بها رفضهن.

كنت أشاهد ما يجري وأرقبه بمشاعر طفل مرهف شديد الحساسية، يؤلم قلبه الظلم الاجتماعي، ومحاسبة الأطفال على أخطاء ارتكبها غيرهم.

كنت أسأل نفسي كثيراً: “لماذا تمام تحديداً؟ لماذا أجدها تختلف وبشكل سلبي عن بقية الطالبات لدرجة أنني صرت أتخيَّلها بطة سوداء بين سرب من البجع؟ لماذا لا تشتري حقيبة وأدوات أجمل من التي تمتلكها؟ لماذا لا تغسل شعرها وتمشطه وتضع عليه ربطات بيضاء مرتبة وجميلة مثلنا بعد أن تتعطر وتتزين؟ ما الذي يدفعها إلى القدوم للمدرسة بهذا المظهر الذي يجلب لها الاحتقار وينفِّر منها الطالبات؟ ناهيك عن المعلمات اللاتي في الغالب لها معهن حكاية ضاربة في السوء! لماذا لا تأتي أمها وتسأل عنها وتزورها في الصف كما تفعل كل الأمهات؟  

الست نهاية، معلمة العلوم، كانت ألد أعداء تمام، وأكثر مبغضيها. وعادة ما تأتي إلى الصف تحمل عصا خشبية بين دفاترها.. ما إن تلج باب الصف وتسمع جلبة الطالبات، حتى تُخرج العصا، وتشق الصفوف معاجلة إلى المسكينة تمام التي تنكمش في مقعدها مثل قطة داهمتها العاصفة الهوجاء، وترفع العصا إلى أقصى ما تصل ذراعها، ثم تهوي بها بلا تمييز بين أعضائها وبقسوة بالغة.. كان الصف يسكن فجأة.. وتقف الطالبات متفرجات على عقاب تمام التي لم تكن وحدها السبب في استحقاقه، ولكن في كل مرة لا بد من كبش فداء، ولم يكن هناك أفضل من تمام لأداء هذا الدور.

في كثير من المرات لم تتوقف الست نهاية عن الضرب إلا بعد أن تُكسر العصا.. أما تمام فتتسمر أمامها مثل تمثال من البرونز، تكتفي بإخفاء وجهها بين يديها والنشيج بصمت، ثم الانسحاب بعيداً عن المحيط، والتأتأة والتلجلج كلما أرادت أن تنطق بكلمة.

مشاعر كثيرة تتضارب داخلي كلما تذكرت تلك الأيام.. حقد على المعلمة.. شفقة على تمام.. بغضب لزميلاتي لتسببهن بالأذى لتلك المسكينة.. احتقار للذات لكوني كنت أكتفي بالتَّفرج دون أن أقف للتصدي والدفاع عنها، وقول كلمة الحق أمام المعلمة الجائرة.. 

حتى إن تمام تتراءى في مخيلتي أحياناً كثيرة وأتمنى لو ألتقيها.. أتمنى لو أعرف أين جرت بها سيول الدنيا الظالمة.. 

بعد الصف الثالث، تركتْ المدرسة ولم أعد أسمع عنها شيئاً برغم أنني لم أستطع نسيان وجهها المرتجف رعباً، ودموع الذل المنفطرة من عيونها البريئة.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net