عزو آغا المفلس يعثر على كنز

تابع أبو الجود، في سهرة الإمتاع والمؤانسة، سردَ حكايات ظريفة من سيرة عزو آغا الذي كان إقطاعياً وأفلس بسبب التأميم. وفي واقع الأمر، نحن الذين تلقينا هذه الحكايات تعاطفنا مع هذا الرجل وزوجته عزيزة هانم إنسانياً..

عزو آغا المفلس يعثر على كنز

تابع أبو الجود، في سهرة الإمتاع والمؤانسة، سردَ حكايات ظريفة من سيرة عزو آغا الذي كان إقطاعياً وأفلس بسبب التأميم. وفي واقع الأمر، نحن الذين تلقينا هذه الحكايات تعاطفنا مع هذا الرجل وزوجته عزيزة هانم إنسانياً، وأُعجبنا بشجاعتهما التي تجلت في تغلبهما على الحالة النفسية التي أعقبت قرارَ التأميم بالمزاح والضحك، وسررنا أكثر عندما علمنا أن حالتهما المادية تحسنت، بعد مضي بضع سنوات على عملية التأميم. ولكن كيف حصل ذلك؟ هل عثرا على كنز؟ أم ربحا في اليانصيب؟

أجاب أبو الجود عن تساؤلاتنا قائلاً: عزو وعزيزة، متلما خبرتكم، ما عندهم أولاد. لكن ابن أخته لعزو آغا، اللي اسمه عمران، كان دارس طب في جامعة دمشق، وتخرج في سنة 1962، بمرتبة طبيب عام، وبمجموع علامات قريب من التامّة، أوفدته وزارة التعليم العالي على أيام الانفصال للاختصاص في بريطانيا، وعمل اختصاص "جراحة شرايين وأوردة" في لندن، وتفوق على الطلاب الإنكليز والأجانب، ولما رجع ع الشام سنة 1968 ما عرفت حكومة البعث تستفيد من إمكانياته، لأن ما في عندها بالمستشفيات أقسام لجراحة الشرايين والأوردة..

قاطعه كمال قائلاً: كلامك يا أبو الجود صحيح. بس يكون في علمك، نحن السوريين ما بيهمنا يكون عندنا أقسام جراحة شرايين وأوردة، المهم الخطابات والشعارات والهتافات بتحرير فلسطين والجولان متوفرة لأبو موزة. وعلى فكرة هاي بتفيدنا أكتر من الطب والعلوم المختلفة. تصور إنته قاعد في بلدك، وتمضّي الأيام والليالي وما تشوف مسيرة شعبية وناس عم يمشوا في الشارع طابقين، وواحد عم يعيش والتاني عم يسقط..

أبو المراديس: وفي شغلة مهمة كتير يا أستاذ كمال، عن جد.. أنا بهديك الأيام ما كنت قادر إفهمها بشكل جيد. وهيي إنه البعثيين استمروا يصيحوا (بدنا نحارب الإقطاع) بعدما أمموا الأراضي وخلوا الإقطاعيين يقعدوا ع الحديدة. ويا ترى كيف بدهم يحاربوهم بعدما قضوا عليهم؟! ما بعرف.

ضحك عزو آغا وقال لأبو مروان: كيف إنتوا البعثيين بتحاربوا الإقطاع، وبتسمحوا لواحد إقطاعي حقير متلي تجيه رسائل؟ ما بتخافوا يكون هالواطي عم يتواصل مع جهات أجنبية مشبوهة؟

أبو الجود: المهم. ما قعد الدكتور عمران في الشام شهر أو شهرين أجاه عقد عمل في أميركا، وبراتب خيالي. سافر. وهنيك قال له الرزاق الكريم (خود).. خلال سنتين أو تلاتة صار معه دولارات دوكمه. وأول شغلة فكر فيها لما صار معه مصاري إنه يساعد خاله عزو آغا..

وفي يوم من الأيام كان عزو آغا قاعد عم يغط قطعة خبز بالشاي، وبياكل بلا قابلية، وقاعدة عزيزة هانم عم تنكّت حتى تغيظه. عم تقول له: الله يرحم أيام زمان لما نكون فايقين الصبح وعم نعرك عيوننا، والشغالة عم تغلي القهوة، ويدخل أبو إبراهيم شايل بإيده سطل لبن غنم، وشي كيلو قيمق (قشطة)، ما عدا اللبا، والقريشة، والعسل. إنته ما كنت تحب العسل المصفى، وتقلي يا عزيزة العسل بشهده أطيب وأفكه.. وتكون الحجة نظيرة عم تخبز ع التنور في أرض الديار، وتحط للعجين محلب وحبة البركة، وإنته بتحب الخبز التنوري التازة، وكانت سفرتنا تتعبى أشكال وألوان، من هون صحن مربى، ومن هون صحن دبس عنب، وإنته ما كنت تاكل البيض إذا ما قليناه بالسمن العربي، ورشينا على وجهه بهارات.. وكنت ما تشرب الشاي لبعد الأكل بساعتين. كنت عامل لحالك نظام، بلا قافية.

وبقيت عزيزة تحكي من هالكلام المعسل لحتى توقف عزو آغا عن الأكل، وقال لها: وإنتي، يا روح قلب عزو، نسيتي لما كنت آخدك على حمام الشيخ عيسى، ونستأجر غرفة عند فريد آغا، ونمضّي تلات أيام، وبعدها يجي شوفور السيارة وياخدنا ع الدريكيش، ونقعد كم يوم ونشرب مياه عذبة، وما نتغدى غير لحم خاروف مشوي ع الفحم؟ ولما كنت أسافر لحلب، وأجيب لك معي بقلاوة وسوار الست ومبرومة من محلات المستت.. والتياب تبعك، أنا ما كنت أشتري لك تياب غير من حلب، وأكيد ما بتنسي يوم جبت لك تنورة لفوق الركبة، بيضا ومطرزة بأزرق، يوميتها لبستيها وصرتي تضحكي وقلي لي: يوه يا عزو، بدي ياني إطلع وأنا لابستها في زقاقات الضيعة؟ أنا سلبتها عليكي وقلت لك (اطلعي، وين المشكلة؟).. شقد ضحكنا يوميتها؟

وإنتي يا عزيزة أول وحدة بهاي الضيعة بطلتي تحطي على راسك المنديل، وصرتي تطلعي بالإيشارب، وتتركي شعراتك من فوق عم ينسفهن الهوا.. و..

وقبلما يكمل عزو وعزيزة استعراض الذكريات اللذيذة، سمعوا دق ع الباب. فتحت عزيزة، وإذ بتلاقي ساعي البريد أبو مروان، بيسألها عن الأغا.

قالت له: تفضل، عزو آغا جوة.

دخل أبو مروان وناوله رسالة لعزو آغا، وطلب منه يمضي ع الدفتر لأن الرسالة مسجلة.

ضحك عزو آغا وقال لأبو مروان: كيف إنتوا البعثيين بتحاربوا الإقطاع، وبتسمحوا لواحد إقطاعي حقير متلي تجيه رسائل؟ ما بتخافوا يكون هالواطي عم يتواصل مع جهات أجنبية مشبوهة؟

أبو مروان: الله يسامحك يا عزو آغا. ليش أنا بعثي؟ أنا رجال صاحب عيلة، بدي إشتغل وأطعميهم.

ساد فينا الصمت نحن الذين نستمع لهذه الحكاية من أبو الجود، وكنا مندهشين فعلاً من تطور الحكاية بهذا الشكل.

قالت حنان: هاي الرسالة من إبن أخته طبعاً.

أبو الجود: نعم. وبعدما استلمها عزو آغا مضى مع زوجته الرائعة عزيزة هانم أوقات حلوة. صار كل واحد منهم ضحكته شبر. الرسالة كان مرفق فيها شيك بألفين دولار أميركي، وفيها كلام بيرد الروح فعلاً، عم يقول له عمران: يا خالي العزيز عزو ويا مرت خالي المحترمة عزيزة، أنا أمي وأبوي ماتوا، وبتمنى تعتبروني إبنكم، وهلق بعت لكم شيك بألفين دولار، تلحيقة، منشان تشتروا الشغلات اللي بتلزمكم ع السريع، لكن بدي منك يا خالي عزو إنك تشتري بيت في حلب أو في إدلب، وتنتقل عليه بأسرع ما يمكن، لأنه السكن في المدن أحسن من القرى، وحتى ما تسكن بالأجرة، روح هلق فوراً اشتري بيت وادفع سلفة من تمنه، واكتب لي شقد حقه بالكامل، وأنا من باب الاحتياط لما بتخبرني إنك استلمت هادا الشيك راح إبعت لك شيك تاني، وبدي منك كمان شغلة. إنكم تعيشوا إنته ومرت خالي عيشة فَنْكَرة وبَطَر وما تحرموا حالكم من شي.

(للقصة تتمة).