على الجانب الآخر

تشعر بأنَّها جد صغيرة ودخيلةٌ على المكان. يتعزّز هذا الشعور عندما تمر بمرآةٍ ضخمة تَشْغل أحد الجدران، وتلمح طلَّتها، كم تبدو هزيلةً في فستانها الذي بهت سواده، وسط تلك الصالة الشاسعة التي تبدو خاوية مهما امتلأت بالطاولات والكراسي وسيَّدات المجتمع...

على الجانب الآخر

من بين الريش الثرّ تتبدّى صدور ناهدة، ومن بين الحرير الملتف تمتد أيادٍ مصافحة، أصابعها مثقلة بالأحجار الكريمة وشبه الكريمة، مصقولة بعناية وبزوايا كثيرة تعكس الأضواء، بريقها يُصوَّب باتجاه العيون وعلى الوجوه المصبوغة، والأجفان مخضّبة، ضائعة بين الألوان، مطفية وبراقة، وبرموش مزيفة وكثيفة. تشعرُ بالنَّظرات تُلاحقها في محاولةٍ لأن تضع سِعراً على كلّ ما ترتديه، تُقيّم الفستان أولاً، وحقيبة اليَد ثانياً، تُحاول أن تتبيَّن ماركة الحِذاء، وتتحقَّق بنظرةٍ جانبيةٍ من نوع ساعة اليد.

تشعر بأنَّها جد صغيرة ودخيلةٌ على المكان. يتعزّز هذا الشعور عندما تمر بمرآةٍ ضخمة تشغل أحد الجدران، وتلمح طلَّتها، كم تبدو هزيلةً في فستانها السَّاتان الأسود الذي بهت سواده، وسط تلك الصالة الشاسعة التي مهما امتلأت بالطاولات والكراسي وسيَّدات المجتمع المُترفات والمنفوشات بزينتهنَّ - تبدو خاوية. يحط البرد على ذراعيها العاريتَين وقلبها يرتعش. تلوم نفسها لأنها طاوعت أمِّها ووافقت على المجيء. ألحت طويلاً، وهي تتحسر أنَّها دون كل صديقاتها "ما عندها بنات سنعات!" تدخل الصديقة منهن حفل الزواج وهي محاطة ببناتها، ولا تذهب لعزاءٍ إلا وهن يسبقنها. في النهاية تذعن وتوافق، وتقول لها أمها لحشد حماسها: "ستُقابلين رفيقات الدراسة". لكن مَن قال إنها ترغب في رؤيتهن؟ ومِن بين كلّ الأماكن المعقولة، تُقابلهن هناك؟ 

مع ذلك، عندما رأت انعكاس هيئتها على زجاج باب منزلهم وهما في طريقهما إلى العُرس، أحسَّت بأنَّها راضية عن مظهرها إلى حدٍّ ما. شعرها القصير الناعم تركته مُسدلاً كما هو، من دون حاجةٍ لأيّ تصفيف، ووَجهها خالٍ من أيِّ مساحيقَ عدا أحمر شفاهٍ داكن. كانت جميلةً على طريقتها الخاصّة، وجهها طويل قليلاً ولها عُنقُ غزال، تُشبه واحدةً من نساء موديلياني. لكنّها فكّرتْ بأنّها لا بدَّ أن تبتاع حذاءً جديداً للسهرة، فحذاؤها الفضِّي الأثير يبدو بالياً بعض الشيء، وكعبه العريض أصبح موضة قديمةً.

تجلسان على طاولةٍ بعيدةٍ نسبياً. الصَّواني العامرة تمر عليهما؛ جبال من الحلويات والمكسرات والمشهيات المنمنمة، استغرقتْ صناعتها ساعات وساعات، في أشكال فنيَّة ومُعقَّدة، لتُلتهم بلقمةٍ واحدة. لقمة سائغة وأُخرى حتى إذا جاء وقت العَشاء، وأُنزلتِ الصحون على الطاولات بشتَّى أنواع المقبلات واللحوم وأطايب الطعام، كانت الضيفات قد شبِعن. وهكذا تُسرع النادلات ليرفعنها كما هي، بالكاد مُسّت، لإفساح المجال لصنفٍ جديد. أمّا الورود فألوانٌ عجيبة وأشكالٌ غريبة، نوعٌ استوائي ّوآخر من شمال أوروبا، تُحمل على الطائرات، وتُباع بأبهظ الأثمان، وما هي إلا أيام قليلة حتى تذبل، تنطفئ سريعاً وتموت. يتدلَّى التوليب أمامها الآن من وسط الطاولة، بأعناقه الطويلة، مُثقلاً بالحزن.

تشعر بانزعاجٍ دفين، تُقاوم، تُحاول أن تبدو مرحة

تبدأ الأغاني فجأة. تنبعث عالية جداً، وصاخبة جداً، من السماعات خلفهما وتملأ المكان. تشعر بضربات الدفوف في أحشائها. تُطلُّ المُطربة عليهن من وراء المنصَّة، في ثوبٍ بنفسجيٍّ مُزركش. صُورتها على الشاشات مكبَّرة، شعرها فاحِم لامع، وحاجباها كذلك، داكنان ويميلان للزرقة، ويبرقان من بعيد. والكحل قاتم وعريض يُحيط بجفونها من أعلى وأسفل. تنتشي بالأضواء والتصفيق والبنات يتدافعن للتصوير معها، يرفعن هواتفهن لالتقاط الصور. تُمسِّي على الحضور، ثم تعود إلى موقعها أمام الميكرفون، تتنحنح لثوانٍ، ثم تبدأ وصلتها. تُؤدِّي أغنيةً عِراقيَّة مُوجعة، عن الفراق والصدّ، ولوعة الاشتياق والبُعد، لكنَّ النغم فرايِحيٌّ ومُبهج. الصبايا يتمايلن على منصة الرقص في كلَّ الأحوال، يستعرضن أرديتهن، آخر الصيحات، من دور الأزياء العالمية رأساً إلى هنا.

تنظر نحوهن ويؤسيها كلّ هذا الجمال المبالغ فيه، كلُّ هذه الأجساد المُترَعة بالشباب والفائضة بالعافية. يبدو لها وكأنَّ صاحبات هذه الأبدان مُثقلات بحملها، لا يعرفن ما الذي يمكنهن أن يفعلنَ بها، وأين يضعنها. تنتبه لسيدةٍ تتَّجه ناحيتهما، تمشي الهُوَينى وهي تكاد تختنق بفستانها المخمل الذي يضيق بجسمها الضخم، وبعقود اللؤلؤ الملتفَّة في صفوفٍ عديدةٍ حول رقبتها المكتنِزة. تقف والدتها سريعاً، مُهلِّلة ومُرحِّبة. تتشابكان أمامها في أحضانٍ وقبلات وتحايا حارَّة وأسئلة عن الأهل والصحة والأولاد وفلان وفلانة. تلكزها والدتها، وتُصوِّب باتجاهها نظرةً، تفهم منها أنَّها لا بدَّ أن تقف بدورها للسلام، وتُقدِّمها للصديقة التي تسمع اسمها أول مرة: "هذي بنتي سعاد.. أيوه الكبيرة.. لا، لا، الصغيرة هي اللي تزوجت.. آمين، آمين.. تسلمين يا حبيبتي، وعقبال أحبابك". تُتابع الحوار بينهما وكأنَّها ليستِ المعنِيَّة، تبتسم وعيناها على بُقع الروج الأحمر التي تُلوِّث أسنان الصديقة.

تعودان لمتابعة الراقصات وقد ازدحمتْ بهن المنصة، تُعلِّق والدتها على رقصِ إحداهن، مما يجعلها تنفجر ضاحكة. ثم تُبصر قامةً ممشوقةً، تلوّح لها من بعيد. هيئتها مألوفة، تتبختر في مِشيتها مثلَ عارضات الأزياء، لكنَّها لا تَتَعرَّف عليها إما بسبب المسافة، أو بسبب مشارط أطباء التجميل وتدخُّلات فنَّاني المكياج. كان الرائج هذه الأيام الأنف الصغير بأرنبةٍ مُتعالية، وحواجب عريضة مخطَّطة بكثافة ومنفتحة باتجاه الصِّدغَين، أما الشِّفاه فمُنتفِخة على وشك أن تنفجر. السحنات تتشابه، والتسريحات كذلك، وحتى الفساتين تبدو بقصَّات متماثلة، والأساور الذهبيَّة هي ذاتها على كلِّ مِعصم، تتراكم الواحدة فوق الأخرى، برَّاقة، وبذات الدَّمغة.

تتفحصُّها وهي تدنو، ثم يخطر لها الاسم فجأة: "ندى!"، وتستعيدُ لبرهة صورة ساحة المدرسة المفتوحة، غارقة في الشمس، بأعمدتها الإسمنتيّة الملوّنة، وأروقتها الجانبيّة، تقطعها الفتيات جِيئةً وذهاباً، تقيهن من الحر، ومن قسوة المقاعد الخشبية التي تُصلّب ظهورهن طوال ساعات الدرس. كُنّ يلجأن للدِّكاك القريبة من المكتبة، تُظللها شُجيرات صغيرة بأوراقٍ مُصفرَّة وباهتة، ليلتقطن شيئاً من الهواء في الفسحة. والتَّنانير الكُحليَّة تُقبل وتُدبر، وفوقها القمصان البيضاء تُهفهف؛ والكركرات مُتواصلة، لا تنقطع، ولا يكبحها سوى مرور مديرة المدرسة المريعة أو وكيلتها الشريرة، والتي أطلقوا عليها "هامتي دامتي" لفرط سمنتها.

تُحيِّي الصديقة القديمة بتأثُرٍ بالغ تستغربه هي نفسها. ومع أنَّهن بالكاد يستطعن سماع بعضهن البعض، إلا أنَّها تشعر بصدق المودَّة وفرحة اللُّقيا، وتتناوبان على الصراخ لمنافسة ضوضاء الموسيقى، الواحدة في أذن الأخرى. وعندما تتوقَّف الأنغام العالية لثوانٍ، تقتنص ندى الفرصة لتعرض عليها أن تنضمَّ لمجموعتِهن: "تعالي، الرفيقات على الطرف الآخر من القاعة..."، تُشجِّعها والدتها على الذهاب بهزَّةٍ مِن رأسها وابتسامة، فتسحبها ندى من يدها بلا تباطؤ.

"مها، تذكرينها؟"، وتمد مها كفاً ناعمة بضَّة، مُطعَّمةً بأكبر قطعة ألماس رأتْها، مُستطيلة، بحجم عُقلة إصبع، صفراء وتخطف القلوب قبل الأبصار... "نعم بالطبع"، ثم تتبادلان القُبل. "وهذه شيخة"، تقف المسكينة بصعوبةٍ بسبب طبقات الشيفون المنقًّط والمكشكش التي تفقدها توازنها وتزيد من امتلائها. يهبُّ عليها شذا العود قويّا ومركّزا وهي تحتضن شيخة البشوشة، والجذلة دائماً. تُواصل ندى تذكيرها بـ "عنود وعزيزة... لا أظن بأنك نسيتِهما"، وتغمز بمكرٍ "الأختَان التوأم طبعاً". تُصوِّبان نظرةً مُتغطرسةً نحوها، وتبسطان أذرعاً كسولة للسلام. لم تكونا توأماً في الواقع، كان يفصل بينهما أحد عشر شهراً. وُلدت عنود في يناير ولحقتها عزيزة ذات السنة في ديسمبر.

"كلها نصف ساعة وينقضي الأمر..." تُذكِّر نفسها

تُخلي لها شيخة الكرسيَّ المُجاور، بعد أن ترفع حقيبة يدها المذهَّبة من عليه، تميل عليها وتصيح في أذنها بعبارات الثناء، وكيف أنَّها لم تتغيّر منذ أيام الثانوية: "سبحان الله.. نفس الوجه! ما تغيَّرتي!"، لكنها تعرف أنَّها تغيَّرتْ، وأن الشَّيب غَزا مَفرقها، وخطوطاً دقيقة تجمَّعتْ حول عينَيها وفمها، وأنَّها ما عادت تكترث، في هذه السِّن، بما يظنه الآخرون بها.

تلحظ نظرات مها المُخْتَلسة تجاهها، وهمسات التوأم إحداهما للأخرى، يرمقنها بسرعة ويشحن بوجوههن، يخنقن الضحكات، ويوترها هذا، يُعيدها لأيامٍ بعيدة. هل يسخرن منها؟ من فستانها الذي بهت لونه؟ ورسغها العاري من الأساور والماسات؟ من شعرها الذي تركته مُسدلاً كما هو، وحذائها القديم؟ 

تشعر بانزعاجٍ دفين، يتمدَّد داخلها، تُقاوم، تُحاول أن تبدو مرحة. "كلها نصف ساعة وينقضي الأمر..." تُذكِّر نفسها. لكن انفعالها يزداد عندما تفد زميلة أخرى من أيام الدراسة، ترمقها وهي تميل على الصديقات تسلّم بأريحيّة واعتياد إلى أن تصل إليها، عندها يكسو وجهها شيء من الاستغراب والدهشة، ويبدو أنّها تُحاول أن تفهم، فتهبُّ ندى للتعريف: "نور، تذكرين سعاد؟ كانت معنا في المدرسة، في السنتَين الأخيرتَين نقلتْ لمدرسة أخرى... ربما لهذا قد لا تذكرينها جيداً". ولم تستطع نور أن تُخفي امتعاضها. تذكرها؟ إن كان بينهن أحد لم، ولن ينساها، فهي نور هذه بالتأكيد.

كانوا في زيارةٍ للمتحف الوطني، وفي نهاية الرحلة، وهنَّ في الباحة المترَّبة أمام القصر القديم، وفي انتظار باص المدرسة، وصلتها سخرية ما. صحيح أنها سمعتها مراراً، لكنها في ذلك اليوم قيلت بصوتٍ عالٍ لا يمكن تجاهله. وهي لا تدري ما الذي تلبَّسها، وكأنَّ كل ما سمعته تلك السنوات تراكم وتراكم وفجأة غدا مثل الجبل، جاثماً فوق صدرها، أو مثل شيء متراصّ في كيس قُمامة أسود، في النهاية ثقل جداً، وما عاد هناك نقطة فراغ داخله وانفجر. لم تدر بنفسها إلا وهي فوق نور، ونور على الأرض منفرجة الساقَين، وهي تُوسعها ضرباً. ونور جاحظة العينين لا تكاد تُصدِّق ما يجري، وهي تصفعها. ونور شفتاها زرقاوان ووجهها انسحبت منه كُل الألوان، صار مثل ورقةٍ خالية، وهي لا زالت تشد شعرها. كلُّ هذا حدث في غضون ثوانٍ. ولم تدر بنفسها إلا والزميلات يدفعنها بعيداً وبين يديَها شعرات مُقصَّفة ومصبوغة بالأشقر، وتحت أظافرها دم قليل.

عادتْ إلى المدرسة مع بقيَّة البنات، بعد أن جاءت سيارة فارهة، لتقلَّ نور صحبة مشرفة ما. انقطعتْ عن المدرسة أسبوعاً، لكنها، وبعد عودتها لم تتحمَّل الهمسات التي ازدادت ونظرات الازدراء، لدرجة أن طلبت الانتقال إلى مدرسةٍ جديدة قبل نهاية السنة؛ مدرسة تبعد كلَّ البُعد عن منزلهم. كان والدها بطول بالِهِ وحِلمه يقلُّها كل صباح، ساعة كاملة يستغرقها الطريق لا يقول فيها شيئاً، وهي تُقدِّر هذا له، يستمعان فقط لأم كلثوم معاً، حفلة في الذهاب وحفلة في الإياب.

تجلس نور الآن بينها وبين ندى في تحدٍّ صريحٍ وسافر، في فستانها التفته الأحمر، بذيله الطويل والذي تُنحّيه جانباً في كل مرة تقف للسلام على سيدةٍ ما، لتجلس ثانية، وبتسريحة شعر بسيطة لكن عالية. رأسها مرفوعٌ وعيناها الواسعتان مُعلَّقتان بالسقف، تتلألآن، وتُعرضان عن الجميع. تقطع كلَّ بادرةٍ للحوار معها بالنظر في هاتفها والرد على الرسائل. تضع ساقاً على أخرى وتهزُّ إحداهما بتواتر، وترفض كلَّ ما يُقدَّم لها من مرطِّبات ومقبِّلات. أما هي فتُبقي يدها على الساتان الأسود، تمسح عليه بين لحظة وأخرى وكأنَّها تحاول أن تفرد ثنيات غير مرئيَّةٍ فيه.

تُحاول ندى تلطيف الأجواء، فتسأل سعاد عن عملها ورسالتها البحثيَّة التي تعدها، تتلعثم وهي ترد باقتضاب. الهمسات حولهما تزداد، أو أنَّها تتخيل ذلك؟ تلتفت إلى الوراء، تنظر باتجاه والدتها بنفاد صبر، لكنَّها مشغولة في الحديث مع الأخريات.

إنها لا تصدق نفسها، لكن الشعور الكريه ذاته يُعاودها؛ توتُّرٌ وارتباك، وإحساسٌ فائض بالحرج لأمر ليس لها يد فيه: "الخِزي" هذا ما تجاهلتْ تسميتَه لوقتٍ طويل، ها هو يطفو على السطح بسواده ودبقه المقيت، يجتاحها، ويُحرضها لأن تنسحب.

تتوقف المطربة عن الزعيق لثوانٍ، الوقت الكافي للسلام المختَصر والانصراف. تعقد عزمها، تسحب حقيبة يدها الصغيرة وشالها الخفيف وتُودِّعهن مبتعدةً بسرعة، حتى إنّها لم تنتبه لنظراتهن التي تشيِّعها، إن كانت مُحمَّلة بالاحتقار أو مليئة بالإشفاق. وما إن تصل لوالدتها، تقول لها إنها تريد العودة إلى البيت لأنها تعبت، ولأن الصداع يأكل رأسها. تكبتُ دموعها، لكن أمها تبحث عن كفِّها من تحت طيَّات الشال وتضغط عليها، فتعود لها صورة المراهقة النحيفة في تنُّورتها الكحليَّة وقميصها الأبيض وضفيرتها التي تصل حتى خاصرتها، والتي تبقى على الجانب الآخر من الساحة أثناء الفسحة، وحيدةً دائماً... وحيدة وبين يديها كتاب.


* كاتبة من قطر