فيديوهات "ردة الفعل": حاضر مندهش من الماضي

كان هناك حلم قبل انتشار الإنترنت يتردد في أذهان (وعلى ألسنة) المدرسين في محاضرات نظريات الاتصال، يتمحور حول معرفة ردة فعل الجمهور المباشر والآني على ما يتلقاه.

فيديوهات "ردة الفعل": حاضر مندهش من الماضي

كان هناك حلم قبل انتشار الإنترنت يتردد في أذهان (وعلى ألسنة) المدرسين في محاضرات نظريات الاتصال، يتمحور حول معرفة ردة فعل الجمهور المباشر والآني على ما يتلقاه. هذا الحلم تحول ليس إلى حقيقة فقط، بل إلى شكل من أشكال التسلية والترفيه في عصرنا الحاليّ، إذ تنتشر على منصات الفيديو مقاطع مسجّلة لأفراد يشاهدون "المحتوى" ونحن نشاهد ردة فعلهم المباشرة عليه.

هذه الصيغة تشمل كل ما يمكن مشاهدته، من أفلام، وأفلام إباحية، برامج طبخ، وليس انتهاءً بالموسيقى الكلاسيكيّة، لنرى أنفسنا أمام محتوى يركز على المتلقي، أكثر منه على الرسالة أو الوسيط.

اتسعت هذه الظاهرة في ظل الجائحة التي يشهدها العالم، خصوصاً أن كثيرين منا يمضون ساعات طويلة في المنزل، ما دفع الأخوين التوأم تيم وفريد ويليامز إلى نشر فيديوهات لهما وهما يستمعان إلى أشهر الأغاني والمقطوعات الموسيقيّة من غرفة نومهما، وأمام شاشة حاسوبهما الشخصي الذي ترصد كاميراه أفعالهما، إذ نراهما يعلقان على أغنية "ابق حياً" للـ"بي جيز" مثلاً، ويبديان إعجابهما بأسلوب مشي أفراد الفرقة. هذا التعليق يتم بعد إيقاف الموسيقى. ذات الأمر مع فيل كولينز؛ إذ نرصد دهشة الأخوين حين يستمعان إليه للمرة الأولى.

جماليات هذه التسجيلات تقع في مستويين؛ الأول أنها تكشف لنا عن الدهشة التي تعتلي الفرد حين سماع كلاسيكيات موسيقى البوب للمرة الأولى، ذاك الإحساس الذي فقدناه بسبب تكرار هذه الموسيقى في كل مكان أمامنا من دون أن "ننصت" إليها فعلاً، والمستوى الثاني له علاقة بفهم السياق الحالي الذي يمكن أن تفهم فيه هذه الأغاني، وكيف يؤثر تغير الزمن على تلقيها، وهنا يكمن سحر الموسيقى.

هناك سعادة معدية تصلنا حين نشاهد فيديوهات الأخوين، سببها لذة الاستماع للموسيقى وردة الفعل العاطفية والبريئة التي يولدها الاستماع، ذاك الذي نشاهده مباشرة أمامنا، ونراه بوضوح حين نشاهد الأخوين يستمعان لأغنية The House Of The Rising Sun لفرقة The Animals. الأغنية المنتجة عام 1964 تهمين على دماغ الأخوين، بالرغم من أنهما لا يعرفان الفرقة من قبل، لكن سحر الموسيقى والغناء يتركهما مشدوهين، ينصتان بصمت من دون القدرة على التعبير، وكأن الأغنية تملكتهما كليّا ونفت أصواتهما على حساب الموسيقى والغناء.

لا يقتصر الأمر على الأخوين ويليامز. ملايين الفيديوهات المنتشرة على "يوتيوب" تصور لنا ردود الأفعال على التحديات المجنونة والأفلام وألعاب الفيديو وغيرها من المنتجات الثقافيّة، وكأن "الجمهور" ذاك الخفي الذي لا نعرف عنه شيئاً، أصبح على التوازي مع صانع المحتوى، يسجل لنا ردة فعله الآنية وتعليقاته بالشكل الأوضح.

هذا الشكل من التسليّة يكشف لنا عن فئة من الجمهور كانت خفية من قبل، فنحن مدعوون إلى طقس المشاهدة لدى الكثيرين، نحدق في أعينهم وهم "يستهلكون" ويتلقون ما تبثه المنصات المختلفة، هناك رعشة ما تصيب المشاهد حين يجد آلاف الفيديوهات المشابهة، خصوصاً أن الكاميرات المنزلية لا تصور فقط ردة الفعل، بل أيضاً ما يحيط بالفرد، أي فضاؤه الخاص، ذاك الذي تقحمه المنتجات الثقافية بأنواعها وتعيد تكوين ذوقه ورغباته.

على النقيض، يرى البعض هذه التسجيلات مجرد إضاعة للوقت، خصوصاً أنها تصور "ردة الفعل" كما هي، من دون أي تدخل فني أو إبداعي، هي تراهن على لاتناهي اليوميّ واللامتوقع، وهذا ما لا يمكن التأكد منه بدقة، فالأسلوب الذي تقدم فيه هذه الفيديوهات يدّعي مطابقة الواقع. وهنا تظهر المبالغة أحياناً، إذ يتحول الواقع إلى نسخة ساخرة عن الواقع نفسه، يبالغ فيها الفرد أمام الكاميرا، تلك التي لا يمكن تجاهلها أو اعتبار أنها غير موجودة بشكل كامل.