"في جينيالوجيا الأخلاق" لـ نيتشه: ترجمة جديدة

مع صدور النسخة العربية من كتاب "في جينيالوجيا الأخلاق" لنيتشه عن "منشورات الجمل" بترجمة علي مصباح، يبدو أن هناك اهتماماً عربياً بهذا المؤلَّف حيث سبق أن ترجمه المفكر فتحي المسكيني وصدر عام 2010، وكذلك المترجم محمد الناجي وصدر عام 2012.

"في جينيالوجيا الأخلاق" لـ نيتشه: ترجمة جديدة
في كتابه "في جينيالوجيا الأخلاق" الذي صدر بمقدمة وثلاث أطروحات سنة 1887، وضَع نيتشه القيم الأخلاقية في موقع التساؤل والتشكيك من خلال مقاربتها في سياقها التاريخي وطرق تأويلها، كاشفاً عن الأوهام والخرافات والأحكام المسبقة التي نشأت حولها. ينظر الفيلسوف الألماني (1844 - 1900) إلى قيم مثل التعاطف والمساواة والعدالة باعتبارها منتجاً لعملية تكييف عنيفة تهدف إلى تدجين الإنسان، متسائلاً عن مصدر هذه القيم والاشتراطات التي أُنشئت بمقتضاها بغية تأويلها، وقدرتها على تحديد مصير البشر. مع صدور النسخة العربية من الكتاب قريباً عن "منشورات الجمل" بترجمة علي مصباح، يبدو أن هناك اهتماماً عربياً بهذا المؤلَّف، حيث سبق أن ترجمه المفكر التونسي فتحي المسكيني وصدر عام 2010 عن "المركز الوطني للترجمة" في تونس، وكذلك المترجم المغربي محمد الناجي وصدر عام 2012 عن "أفريقيا الشرق". يعتقد نيتشه في كتابه أن التاريخ البشري بُني على جملة تناقضات وصراعات وبالتعسف والإكراه، وتعمية الحقائق وتضليلها تحت ذريعة الأخلاق، مشيراً إلى أن قيم السادة تنزع نحو امتلاك القوة والعمل من أجل ذلك، بينما تميل قيم العبيد إلى الصبر والخضوع والاستسلام. وفق هذا المنظور، تغدو الأخلاق بالنسبة إلى صاحب "ما وراء الخير والشر" عدمية دأبها نزع الإنسانية من البشر، وجعلهم بفقدون قيمة وجودهم ومعنى حياتهم، فهي تتعارض مع توقه الدائم إلى الحرية وتغفل غرائزه وفطرته عبر إقصائها للجسد وتغييبه، مقابل تحقيق السعادة وتكريس الفضيلة والخير، ما يعتبره أقصى تجليات العدمية التي تدعو إليها التقاليد الدينية. يدوّن نيتشه في كتابه مقولة يقتبسها الناشر على الغلاف الخلفي، وفيها: "لا نعرف أنفسنا، نحن رجال المعرفة: مجهولون بالنسبة لأنفسنا؛ ولهذا الأمر أسبابه الوجيهة. لم نبحث البتّة عن أنفسنا، فكيف سيكون بوسعنا إذا أن نجد أنفسنا في يوما ما؟ لقد أصاب من قال: حيث يكون كنزك، هناك يكون قلبك أيضاً؛ وكنزنا هناك حيث تكون قفائر نحل معرفتنا". ويضيف: "وبوصفنا حيوانات مجنّحة، وجمّاعات رحيق لعسل العقل، نحن في تنقّل دائم سعياً وراء ذلك؛ لا شيء يشغل قلبنا غير أمر واحد: أن "نعود بشيء" إلى البيت. أنا ما عدا ذلك من مسائل الحياة، وما يدعى "تجارب"، فمن منا لديه ما يكفي من الاهتمام الجدي، وما يكفي من الوقت ذلك؟ وأني لأخشى أننا لم نكن نولي اهتماماً حقيقياً لهذه المسائل في يوم ما؛ فما كان لنا قلبٌ، ولا حتى أذن لذلك!".