كخبير أوبئة اعتقدت أنها مزحة.. لماذا يجب أن تتوقف خطة “مناعة القطيع” فوراً؟

منزلك يحترق، والأشخاص الذين عهدت إليهم بحمايته لا يحاولون إخماد الحريق. ورغم سابق معرفتهم بحتميته، ورؤيتهم ما حدث للجيران والنيران تجتاح منزلهم بسرعة مرعبة، فضَّلت حكومة بريطانيا لسبب غير مفهوم، سكب البنزين على النيران، متوهمةً أنها ستتمكن من السيطرة عليها بطريقة أو بأخرى. أُعِدُّ أبحاثاً في علم تطور وبائيات الأمراض المعدية وأدرّسه في مدرسة تشان […]

كخبير أوبئة اعتقدت أنها مزحة.. لماذا يجب أن تتوقف خطة “مناعة القطيع” فوراً؟
منزلك يحترق، والأشخاص الذين عهدت إليهم بحمايته لا يحاولون إخماد الحريق. ورغم سابق معرفتهم بحتميته، ورؤيتهم ما حدث للجيران والنيران تجتاح منزلهم بسرعة مرعبة، فضَّلت حكومة بريطانيا لسبب غير مفهوم، سكب البنزين على النيران، متوهمةً أنها ستتمكن من السيطرة عليها بطريقة أو بأخرى. أُعِدُّ أبحاثاً في علم تطور وبائيات الأمراض المعدية وأدرّسه في مدرسة تشان للصحة العامة بجامعة هارفارد. لكن عندما سمعت عن استراتيجية حكومة جونسون في التعامل مع وباء كورونا لأول مرة، لم أصدّقه. وقد افترض زملائي هنا في الولايات المتحدة الأمريكية، وهم يشتاطون غضباً من تعامُل إدارة دونالد ترامب المُتهاوِن مع الأزمة، أن التقارير التي تتحدث عن السياسة التي تتبعها المملكة المتحدة ليست سوى نوع من التهكم، ومثال على روح السخرية المريرة التي تشتهر بها البلاد. لكن الأمر كان شديد الجدية. لنناقش الأمر على أساس موضوعي. كان الهدف المعلن هو تحقيق “مناعة القطيع”؛ للحد من تفشي المرض ومنع “موجة ثانية” كارثية منه في الشتاء المقبل. الفيروس ليس فتاكاً ولكن..  يُشار إلى أن نسبة كبيرة من السكان أقل عرضة للإصابات الحادة بالفيروس: تقريباً أي شخص تحت سن الأربعين. لذا فالمنطق يقول إنه على الرغم من أننا في عالم مثالي لا نريد المخاطرة فيه بتعريض أي شخص للإصابة بالفيروس، فتوليد مناعة لدى الشباب وسيلة لحماية جميع السكان. يتحدث رئيس الوزراء البريطاني عن لقاح “مناعة القطيع”، لكن المشكلة هي أنه ليس لقاحاً. نحن أمام جائحة حقيقية سيصاب بها عدد كبير من الناس، وستقتل بعضهم. ورغم أن معدل الوفيات منخفض جداً على الأرجح، يظل الجزء الصغير القابل للوفاة من جراء الإصابة من العدد الضخم المصاب عدداً كبيراً. وسيرتفع معدل الوفيات عندما يزداد الضغط على هيئة الخدمات الصحية البريطانية. ومن المتوقع أن يحدث هذا، حتى لو افترضنا أن الحكومة نجحت بالكامل في قصر انتشار الفيروس على السكان الأقل عرضةً للإصابة به، ففي ذروة تفشي المرض، ستفوق الأعداد التي تتطلب رعاية عاجلة أعداد الأسرَّة المتوافرة. ويفاقم ذلك حقيقة أن الأشخاص الذين يعانون إصابات حادة غالباً ما يظلّون كذلك فترة طويلة، وهو ما يزيد من العبء. الموجة الثانية حقيقة أم خيال؟  وبالطبع لا يمكنكم قصره على هذه الفئة العمرية. ضعوا في اعتباركم جميع الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و40 عاماً من العاملين في مجال الرعاية الصحية، أو دُور المسنين. ولا تحتاجون عديداً من المقدمات عن ظروف مثل هذه لما قد نطلق عليه “نهايات وخيمة”. في ولاية واشنطن، كانت معظم الوفيات المسجلة حتى الآن مرتبطة بدُور رعاية المسنين. فهل من المفترض أن ينسحب كل فرد ينتمي إلى مجموعة ترتفع خطورة إصابتها من المجتمع مدة ستة أشهر حتى يتمكن من العودة إليه مرة أخرى فور منع الموجة الثانية (التي ليست سوى ضرب من الخيال حتى الآن)؟ وأما عن تلك الموجة الثانية: فدعوني أتحدث بوضوح. الموجات الثانية موجودة بالفعل، وقد رأيناها في جائحات الإنفلونزا، لكن هذه ليست جائحة إنفلونزا، ولا تنطبق عليها قواعد الإنفلونزا. قد تحدث موجة ثانية وقد لا تحدث، لا يمكنني الجزم بذلك. لكن ما أعرفه يقيناً هو أنه لا ينبغي أن تتعرض الفئات الضعيفة للفيروس في الوقت الحاضر، من أجل مستقبل “افتراضي”. إن الحفاظ على سلامة الناس يعني أن تعزل نفسك ذاتياً إذا ظهرت عليك أعراض الإصابة، لكن النصيحة الرسمية فيما يخص ذلك مضللة أيضاً. ففي حين أنه من المهم للغاية أن يلزم المرضى منازلهم لتجنُّب إصابة الآخرين، يزداد وضوحاً أن انتقال المرض يمكن أن يحدث قبل ظهور الأعراض. وندرك صحة هذا الأمر من الدراسات القائمة على النماذج والمراقبة، وقد رأيت ذلك يحدث بنفسي.  إلا أن من يتحدث عن معدل موت الحالات المصابة، وضوابط انتقال الإصابة قبل ظهور الأعراض، تفوته هذه النقطة. إن هذا الفيروس قادر على إغلاق بلدان بأكملها، ولا تريدون أن تكون بريطانيا البؤرة التالية لانتشار الفيروس بعد ووهان وإيران وإيطاليا وإسبانيا. في تلك البلدان، انهارت أنظمة الرعاية الصحية. ففي إيطاليا، أصبح الاختيار بين من يمكن إنقاذه ومن يُترك للموت حقيقةً واقعةً. وحريٌّ ببريطانيا بدلاً من ذلك دراسة نموذج كوريا الجنوبية، التي يبدو أنها قد تمكنت من السيطرة على الفيروس إلى حد ما، من خلال مزيج من المراقبة المكثفة والحد من التواصل الاجتماعي. يمكننا أن نتعلم من كوريا الجنوبية وسنغافورة وهونغ كونغ وتايوان، التي نجحت جميعها حتى الآن في التخفيف من النتائج الأسوأ رغم تسجيلها حالات في وقت مبكر من الجائحة، وفي حالة كوريا الجنوبية، معاناتها من تفشي هائل للفيروس. ولا ينبغي للمملكة المتحدة أن تحاول تطبيق خطة مناعة القطيع، متوهمةً أنَّ تفشي الفيروس في المجتمع سيؤدي إلى معالجة نفسه بنفسه؛ بل ينبغي أن تتحول الخطة باتجاه إبطاء تفشي الفيروس إلى معدل يمكن التحكم فيه بدرجة أكبر. ويمكن تحقيق ذلك بالحد من التواصل الاجتماعي، وأن يعمل من المنزل كلُّ من يمكنه ذلك، وتشجيع من لم يفعل ذلك بعدُ على فعله. ويجب على أرباب العمل التزام دفع الأجور في حالة المرض، وعلى من يتصلون بحالات الإصابة المعروفة. كما يجب على الحكومة البريطانية فعل كل ما بوسعها للحد من ظاهرة “الحضور إلى العمل رغم المرض”، ومنع المصافحة بالأيدي. كما يجب بشكل عام، الحرص على غسل الأيدي مدة 20 ثانية، عدة مرات في اليوم، وكلما دخلتم إلى منازلكم (أو منزل شخص آخر). ومنع التجمعات الكبيرة. كما ينبغي توعية الناس بالطريقة المثلى لاستهلاك الكمامات، وكيف أنه ينبغي ادخارها للأطباء الذين يحتاجونها. كل هذا وأكثر كان يجب أن يبدأ منذ أسابيع. إغلاق أم فتح المدارس؟ من الصعب تقرير إغلاق المدارس من عدمه؛ إذ إنها تفعل ما هو أكثر بكثير من التعليم وحده. لكن هذه جائحة، لذا يجب أن تتوقعوا إغلاقها عاجلاً أم آجلاً. فقد أُغلقت في هونغ كونغ منذ أسابيع. وإذا سمعت أي حديث على شاشة التلفزيون يُقال فيه إن الأطفال لا يُصابون بالمرض، فتذكَّر أن هذا لا يعني أنه لا يمكن نقل العدوى إلى الأطفال أو نقلهم إياها للآخرين. وقد يكون من الأفضل في هذه الحالة التوقف عن زيارة الجد والجدة. إن المهمة الأساسية للحكومة هي الحفاظ على سلامة شعبها. ومن هذا تستمد سلطتها وثقة الشعب وشرعيته. ولا يتوهمنَّ أحدكم أن هذا شيء يمكن تفاديه عن طريق التلاعب بفيروس بدأنا نفهم طبيعته لتوّنا. فهو لن يمر بكم ويتجاوزكم؛ لأنه ليس عاصفة بسيطة، وإنما إعصار. لا تفزعوا، ولكن استعدوا. وإذا لم تساعدكم حكومتكم، فساعِدوا أنفسكم. – هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. الدكتور وِليَم هانيج هو أستاذ تطور وبائيات الأمراض المعدية في جامعة هارفارد.