كورونا في إسرائيل.. نتنياهو الرابح الأكبر وغانتس دمر حزبه في لحظات

الخطوة التي أقدم عليها بيني غانتس، المكلف بتشكيل الوزارة في إسرائيل، بالتحالف مع خصمه اللدود بنيامين نتنياهو في حكومة وحدة وطنية لمواجهة فيروس كورونا، تحتاج لخبير في فك الشيفرة، حيث جاءت كهدية مجانية لنتنياهو وكارثة محققة لحزب أزرق أبيض، كيف ذلك؟ موقع ميدل إيست آي البريطاني نشر تقريراً اليوم الأحد 29 مارس/آذار، بعنوان: “صدمةٌ وخيانة […]

كورونا في إسرائيل.. نتنياهو الرابح الأكبر وغانتس دمر حزبه في لحظات
الخطوة التي أقدم عليها بيني غانتس، المكلف بتشكيل الوزارة في إسرائيل، بالتحالف مع خصمه اللدود بنيامين نتنياهو في حكومة وحدة وطنية لمواجهة فيروس كورونا، تحتاج لخبير في فك الشيفرة، حيث جاءت كهدية مجانية لنتنياهو وكارثة محققة لحزب أزرق أبيض، كيف ذلك؟ موقع ميدل إيست آي البريطاني نشر تقريراً اليوم الأحد 29 مارس/آذار، بعنوان: “صدمةٌ وخيانة وخوف: لماذا قضى غانتس على حزبه ليتحد مع نتنياهو؟”، ألقى الضوء على خلفيات القرار الصادم لغانتس. كيف حدث ذلك؟ إذا كنت تعيش وقتاً عصيباً وأنت تحاول تقبُّل فكرة أنَّ “بيني غانتس سيكون رئيس وزراء إسرائيل”، فاطمئن؛ سيبقى الوضع على ما هو عليه منذ 11 عاماً. ولعلَّك ينبغي أن تشكر غانتس نفسه، لأنَّه سهَّل ذلك عليك، ففي تحوُّلٍ غريب للأحداث شهده يوم الخميس 26 مارس/آذار، قرَّر غانتس رئيس حزب “أزرق أبيض”، الذي كان لديه تفويضٌ لتشكيل حكومة وإطاحة نتنياهو، الانضمام إلى منافسه اللدود في حكومة وحدة والعمل وزيراً للدفاع تحت قيادته. وفي أثناء ذلك، يمكنك استخدام لقب مؤقت: “بيني غانتس رئيس الكنيست”، وهو المنصب الذي يتولاه غانتس الآن لمدة عدة أيام حتى ينتهي الرجلان من الاتفاق الذي لم يُوقَّع عليه بينهما بعد. ومن المفترض أنَّ هذا الاتفاق يستند إلى التناوب والمساواة: فإذا أوفى نتنياهو بوعده -وهو  نادراً ما يفعل ذلك- فسيتنحى في سبتمبر/أيلول من العام المقبل (2021)، ويفسح المجال لغانتس لتولي رئاسة الوزراء. رئيس حزب أزرق أبيض بيني غانتس خلال إدلائه بصوته في الانتخابات/رويترزوما يعنيه ذلك حقاً أنَّ نتنياهو، المتهم بالفساد، سيبقى في منصبه ويُحاكَم في الوقت نفسه، وهذا هو الاتفاق الحقيقي بين غانتس -الذي وصفه نتنياهو بأنَّه “غير ناضج” و”مجنون”، خلال الحملة الانتخابية الأخيرة- ونتنياهو، الذي وصفه غانتس بأنه “ديكتاتور فاسد”. ضحية الفيروس وصحيحٌ أنَّ السياسة الإسرائيلية لديها تاريخٌ طويل من التقلبات والخطوات المفاجئة، لكنَّ هذه الخطوة الأخيرة تتصدرها جميعاً، ويبدو أنَّ الحجة الواضحة وراءها هي أزمة فيروس كورونا في إسرائيل.  إذ ظلَّ غانتس يُعلِّل قراره بعبارة: “هذا ما تحتاج إليه البلاد، وإسرائيل أولاً”، كما لو أنَّ الأبحاث الطبية أثبتت أنَّ الفيروس يخشى حكومات الوحدة، بل إنَّ الحزب الذي أنشأه غانتس قبل عام ونصف العام فقط هو الذي بدا ضحيةً لفيروس كورونا، وصحيحٌ أنَّه حزب شاب، لكنَّه يعاني مشكلات صحية كامنة خطرة. إذ مات الحزب عصر يوم الخميس الماضي، حين رفض فصيلاه الآخران -حزب “يش عتيد” برئاسة يائير لابيد وحزب “تلم” برئاسة موشيه يعلون، اللذين خدما في عهد نتنياهو في حكوماتٍ سابقة ويُعتبران أدرى بمعرفته- الانضمام إلى الحكومة الجديدة التي فرضها غانتس عليهما. ومن ثَمَّ، انهار الهيكل الذين نعرفه لحزب “أزرق أبيض” في غضون ساعةٍ واحدة، وبناءً عليه، سيحتفظ لابيد ويعلون باسم “أزرق أبيض”، في حين عاد غانتس إلى حزبه الأصلي الذي يحمل اسم “الصمود الإسرائيلي”، ويضم 17 عضواً في الكنيست، وبذلك، سيصبح لابيد زعيماً للمعارضة ضد الرجل الذي كان أقرب حليف سياسي إليه حتى يوم الخميس الماضي.  وفي مؤتمرٍ صحفي عُقِد مساء الخميس الماضي، تحدَّث لابيد بنبرةٍ حادة صريحة، قائلاً: “لقد خان غانتس أصوات الأشخاص الذين صوتوا له حين تعهد بعدم الخدمة تحت قيادة نتنياهو. لقد استسلم لبيبي (نتنياهو) من دون قتال”. ويُمكن القول إنَّ لابيد مُحقٌ في ذلك.  وسرعان ما صاغ عضو الكنيست أحمد الطيبي، الذي ينتمي إلى القائمة المشتركة التي تضم 15 نائباً دعموا غانتس لتولِّي رئاسة الوزراء، مصطلحاً جديداً، إذ تحدَّث إلى موقع Middle East Eye البريطاني بعد ساعاتٍ قليلة من التحول الدراماتيكي للأحداث، ووصف سلوكيات غانتس بأنَّها “غانتسية”.  وقال: “لقد دعمناه لإحداث تغيير بعد سنوات من التحريض الذي يمارسه نتنياهو ضد العرب. والغانتسية وحدها هي التي يمكن أن تثبت أن كتلة نتنياهو المكوَّنة من 59 مقعداً، أكبر من كتلة غانتس المكوَّنة من 61 مقعداً التي أنشئَت بدعمنا، وصحيحٌ أنَّ جائحة كورونا سيئةٌ للغاية، لكنَّ استغلالها لتحقيق مكاسب سياسية أسوأ”. كورونا في إسرائيلوفي الواقع، يبدو الأمر كما لو أنَّ غانتس استخدم أصوات العرب ودعمهم كعجلةٍ احتياطية في لعبته السياسية، لكنَّ ناخبيه اليهود يراودهم الشعور نفسه، لذا أصبحت كلمتا “خيانة” و”خائن” هما الأكثر شيوعاً على شبكات التواصل الاجتماعي لوصف خيانة غانتس لثقة ناخبيه.  الحقائب الوزارية القوية ولكن للأمانة، فليس كل الإسرائيليين يراودهم الشعور نفسه، ولا حتى جميع الذين صوتوا لغانتس، ويُمكن القول هنا إنَّ حزب أزرق أبيض كان خليطاً غريباً من التيارات اليميني واليساري والوسطي في البداية.  إذ أشاد معظم ناخبي غانتس المنتمين إلى التيار اليميني الوسطي بقراره، واصفين إيَّاه بأنَّه خطوة “من أجل إسرائيل”، في حين لم يكن أنصاره من اليمين المتطرف سعداء بالقرار؛ لأنَّ جميع خطط ضم الضفة الغربية المحتلة -التي عارضها الحزب بشدة حين أعلنت “صفقة القرن” التي يتبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب- ستؤجَّل.  ومن ناحيةٍ أخرى، ابتهج ناخبو حزب الليكود، لأنَّ نتنياهو المُحبَّب لديهم سيظل في رئاسة الوزراء، لكنَّ أعضاء الكنيست والوزراء المنتمين إلى الحزب أقل سعادةً، لأنَّهم سيفقدون بعض الحقائب الوزارية الرئيسية التي أصبحت معروضةً الآن على غانتس. غير أنَّ الخسارة الرئيسية لنتنياهو ليست وزارة الشؤون الخارجية التي ستذهب الآن إلى غابي أشكنازي، حليف غانتس وأحد مؤيِّدي فكرة حكومة الوحدة هذه، وذلك لأنَّه ما دام ترامب يقف في ظَهر نتنياهو، فمن سيكترث بأي شخصٍ آخر؟ بل يُمكن القول إنَّ الدليل على مدى أهمية هذا الاتفاق لنتنياهو هو أنَّه تخلى عن الوزارتين الأعزّ على قلبه: العدل والإعلام، فنتنياهو مهووس بالتغطية الإعلامية، فضلاً عن أنَّ وجود شخصٍ مطيع له في منصب وزير العدل سيكون مصدر قوة له بالتأكيد في أثناء محاكمته. وفي ظل بقائه بمنصبه ومثوله أمام المحكمة بصفته رئيس الوزراء في مايو/أيار المقبل كما هو مقررٌ الآن، كان وجود شخصٍ مطيع له في منصب وزير العدل سيصبح أهم بكثير.  ولكن لماذا يا غانتس؟ حسناً، هذا يفسر دوافع نتنياهو نحو ذلك الاتفاق، ولكن لماذا أقدَم غانتس فجأةً على اتخاذ خطوةٍ كان بإمكانه اتخاذها سابقاً دون الحاجة إلى خوض جولتين انتخابيتين أخريين وإنفاق 1.6 مليار دولار؟ هناك عديد من الإجابات على هذا السؤال، وربما تكون الإجابة الحقيقية مزيجاً من كل تلك الإجابات. ولعل أحد الأسباب التي لم تُذكَر بوضوح حتى الآن، هو أنَّ غانتس لم يرغب قَط في تحمُّل المسؤولية في خضم أزمة فيروس كورونا الهائلة والأزمة المالية الكبرى التي ستتبعها، إذ يفتقر غانتس إلى القَدر اللازم من الثقة بالنفس.  لكنَّ التفسير الأكثر عملية يكمن في استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجراها الحزب، إذ جاءت نتائجها سيئة، وأظهَرت أنَّ حزب أزرق أبيض يخسر الدعم، وأنَّ حزب الليكود يكتسب مزيداً من الدعم، ولم يكن إجراء جولة انتخابية رابعة خياراً مطروحاً، ليس فقط بسبب أزمة فيروس كورونا الشديدة، ولكن خوفاً من النتائج أيضاً.  إذ ذكر بعض المطلعين على بواطن الأمور في حزب أزرق أبيض قبل انهياره، أنَّ استطلاعات الرأي التي اطَّلعوا عليها أظهرت أنَّ ناخبيهم يُعارضون تشكيل حكومة أقلية مدعومة من القائمة المشتركة بشدة، عكس بعض الاستطلاعات الأخرى. وقد كان نتنياهو أول من أدرك ذلك، فحين عُرِض على القائمة المشتركة تولِّي رئاسة لجنة الرفاه في الكنيست، أعاد نشر تغريدةً سافرة تقول إنَّ “مؤيدي الإرهاب” سيكونون الآن مسؤولين عن العائلات الثكلى، وهي رسالة سيطرت على وجدان قطاعاتٍ كبيرة من المجتمع الإسرائيلي. ويبدو أنَّ هناك فرقاً شاسعاً بين الإجابات التي يذكرها الليبراليون في استطلاعات الرأي والتي يؤكدون فيها دعم القائمة المشتركة من ناحية، وتقبُّلها بالفعل من ناحيةٍ أخرى. ومع الأسف، لم تصبح هذه هي روح العصر في إسرائيل -التي ما زال مجتمعها عنصرياً إلى حدٍّ كبير- حتى الآن، وقد كان من السذاجة الشديدة التفكير في أنَّ غانتس، رئيس أركان الجيش السابق الذي أطلق حملته السياسية بنشر عدد القتلى الفلسطينيين الذين خلَّفهم بغزة في أثناء عملية “الجرف الصامد” التي قادها، سيكون مختلفاً عن بقية المجتمع الإسرائيلي.  وصحيحٌ أنَّه ليس عنصرياً كبنيامين نتنياهو، لكنَّه ما زال عنصرياً على كل حال. لذا كانت خطوة تقبُّل القائمة المشتركة صعبةً للغاية عليه، كما كان متوقعاً. ولذلك فحين أتت لحظة الحسم، لم يتمكن من اتخاذها، شأنه في ذلك شأن شريكه غابي أشكنازي، رئيس أركان الجيش السابق. لذا سلكا المسار الأكثر شعبية. ماذا سيحدث في العام المقبل 2021؟  يؤيِّد معظم الإسرائيليين تشكيل حكومة وحدة. فبعدما أنهكتهم ثلاث جولات انتخابية غير حاسمة في عام واحد، واستنزفتهم وحشية الحملات الانتخابية والساسة عديمي الرحمة، وفي ظل شعورهم بالخوف الآن من فيروس كورونا، يبدو أنَّهم اختاروا الحصول على قسطٍ من راحة البال. وقد اتضح في هذه الآونة، أنَّ الديمقراطية في إسرائيل يُمكن أن تتوقف مؤقتاً. ومن ثَمَّ، بإمكان يولي إدلشتاين، رئيس الكنيست السابق الذي تحدى قرار المحكمة العليا كما لم يتحدها أحدٌ من قبل، أن يستأنف مهام منصبه الرفيع في سلام. وبإمكان المتظاهرين الذين نزلوا إلى الشوارع، على الرغم من مخاطر فيروس كورونا طيُّ راياتهم ولافتاتهم السوداء والعودة إلى ديارهم.  ولكن إذا أصبحت حكومة الوحدة واقعاً رسمياً، يبقى السؤال الأبرز: هل يتنحى نتنياهو حقاً في سبتمبر/أيلول من العام المقبل (2021)؟ وفي هذا الصدد، بدا تساحي هنغبي، وزير التعاون الإقليمي وعضو الليكود، متفائلاً في حديثه إلى موقع Middle East Eye صباح الجمعة 27 مارس/آذار، بعد الدراما التي شهدها يوم الخميس.  إذ قال هنغبي: “عكس صورته العامة التي تُظهِره على أنَّه شخصٌ يتجنب القرارات الصعبة والصراعات، أظهر غانتس تحلِّيه بروح القيادة والمسؤولية حين دعا نتنياهو إلى تشكيل حكومة وحدة. وعلى الرغم من الثمن الشخصي الذي اضطر غانتس إلى دفعه، يمكن أن يولِّد التحالف بين غانتس ونتنياهو ثقةً وتعاوناً توافقياً على مرِّ السنوات الثلاث المقبلة”.  فيما كان اللواء الإسرائيلي المتقاعد عمرام متسناع، الذي تزعَّم حزب العمل ويعرف نتنياهو جيداً، أقل حماساً بكثير. إذ قال للموقع البريطاني واصفاً شعوره حيال ما حدث: “إحساسٌ بالخيانة والصدمة”. وأضاف: “هناك بعض الظروف التي ربما تجعل غانتس، الذي لم يكن لديه خيار حقيقي لتشكيل الحكومة، معذوراً. ومع ذلك، أجد صعوبة في تصديق أنَّ نتنياهو سيحترم الاتفاق مع غانتس. كل ما أتمناه أن ينغمس انغماساً شديداً في محاكمته”.