كورونا مصر: تلاعب بالإجراءات تمهيداً للمدارس وانتخابات النواب

فيما تتحضر مصر لبدء العام الدراسي وإجراء انتخابات مجلس النواب، الشهر المقبل، لا تزال الحكومة تتبع السياسة ذاتها في تجاهل التوصيات الأممية حول كورونا واتخاذ إجراءات للتعمية على الأرقام الحقيقية للإصابات، وذلك عبر إشاعة أجواء مضللة من التفاؤل.

كورونا مصر: تلاعب بالإجراءات تمهيداً للمدارس وانتخابات النواب

تُحاول السلطات المصرية تهيئة الرأي العام لإجراء انتخابات مجلس النواب، ولعودة الدراسة في المدارس والجامعات في شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، بمزيد من رسائل الطمأنة إزاء الوضع الوبائي لانتشار فيروس كورونا وقرارات التعايش مع الجائحة، والتي كان آخرها استئناف إقامة الأفراح والحفلات والمؤتمرات العامة وصلوات الجنازة، بسعةٍ تبدو مخفضة. ويأتي ذلك، فيما تتخذ وزارة الصحة العديد من الإجراءات الهادفة إلى السيطرة على عدد الحالات المكتشفة وجعل الأرقام المعلنة دون الواقع، لتتطابق البيانات الرسمية مع القرارات الحكومية المتجهة لتخفيف التدابير الاحترازية، وذلك على الرغم من المؤشرات المعاكسة في تقارير الإدارات الصحية بمعظم المحافظات.
وحصل "العربي الجديد" على مجموعة من القرارات الصادرة من دواوين محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية والقليوبية والمنوفية ودمياط والدقهلية والمديريات الصحية فيها، تحظر على المستشفيات إجراء تحاليل "بي سي آر" لحالات الاشتباه، حتى لو كانت مرجحة الإصابة بواسطة الأشعة والتحاليل الأخرى، إلا بقرار إداري خاص من مسؤول بدرجة وكيل وزارة، وعدا حالات الاشتباه العائدة أو القادمة من الخارج.

وجود نسبة كبيرة من حالات الإصابة الفعلية خارج المستشفيات، والتي تتحول إلى مصادر عدوى

وقالت مصادر طبية حكومية إن هذه القرارات أدت إلى ثلاث ظواهر سلبية تحد من قدرة المستشفيات على مواجهة الموجة الثانية من الجائحة. أولى هذه الظواهر امتلاء معظم المستشفيات الحكومية المخصصة لعلاج الحالات بحالات الاشتباه وغير المصابة بصورة أكيدة، مع استبعاد مصابين أو حالات اشتباه أخرى حسب الحالة الاستيعابية لكل مستشفى. ويعني ذلك وجود نسبة كبيرة من حالات الإصابة الفعلية خارج المستشفيات، والتي تتحول لاحقاً إلى مصادر لنقل العدوى وزيادة الأعداد خارج الإطار الرصدي الحكومي، ما يساهم في زيادة معدلات انتشار الوباء.
أما الظاهرة الثانية، فهي تقليل عدد المصابين المرصودين رسمياً، واستمرار مراوحة العدد بين 150 و190 يومياً، كما هي المعدلات خلال الشهرين الماضيين. ويؤدي هذا الأمر إلى إشاعة مناخ من التفاؤل الكاذب والارتياح غير المنطقي بين المواطنين، ويدفعهم لتخفيف الإجراءات الاحترازية أو الانخراط في أنشطة وتجمعات من شأنها نشر العدوى. ويتزايد هذا المناخ بعد القرارات الجديدة التي ستسري ابتداء من 21 سبتمبر/ أيلول الحالي، وستسمح بمزيد من التجمعات، بدلاً من الالتزام بدرجة متحفظة من الالتزام بالتدابير قبل موعد بدء الدراسة في 17 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، ثم إجراء الانتخابات في الأسبوع الثالث من الشهر نفسه بـ13 محافظة. كما أن هذه الظاهرة تؤدي إلى ارتباك وعدم توازن عند حساب معدلات الوفيات والمتعافين، بما يصعب تصنيف مدى نجاح مصر في السيطرة على الجائحة. فعلى الرغم من المزاعم الحكومية بالتقدم في ذلك، لا تزال معدلات الوفاة كبيرة، ولم تقل خلال الشهر الحالي عن 5.6 في المائة من إجمالي الحالات. وتعد هذه النسبة كبيرة، وهي لا تسجل تحسناً ملموساً عما كانت عليه الأمور خلال الفترة التي سُجلت فيها أعلى معدلات الإصابة رسمياً. 

أما الظاهرة السلبية الثالثة، فهي فقدان سيطرة الوزارة على حالات العلاج في المنزل، بسبب ارتفاع عددها بصورة كبيرة عما كانت عليه في شهري يونيو/ حزيران ويوليو/ تموز الماضيين، وبالتالي تراجع إجراءات متابعة المصابين الخاضعين للعلاج بالمنزل، وانخفاض كميات الأدوية والعلاجات المخصصة لهم، والتي كانت الإدارات الصحية تصرفها لهم بانتظام. وتزيد خطورة هذه الظاهرة في ظلّ تطبيق قرار الوزارة - التي تقول إنه مدعوم من منظمة الصحة العالمية - بخروج حالات الإصابة الأكيدة ذات الأعراض المستقرة خلال فترة تراوح بين 10 أيام وأسبوعين واستكمال علاجها من المنزل.
لكن الوزارة تتجاهل في هذا الإطار بعض الوصايا الأخرى التي أصدرتها منظمة الصحة العالمية أيضاً، وعلى رأسها ما أكد عليه مكتبها الإقليمي، أمس الثلاثاء، خلال مؤتمر صحافي، حيث شدد على أنه يتوجب على الدول المختلفة المبادرة لإجراء تحاليل كورونا لحالات الاشتباه والمخالطين للسيطرة على الموجة الثانية من الجائحة، حتى لو لم يتوجه هؤلاء إلى المستشفيات، وهو ما تقدم مصر على تنفيذ عكسه تماماً، بعدم إجراء الفحوصات حتى لحالات الاشتباه الموجودة بالفعل في المستشفيات.
كما حصل "العربي الجديد" على نتائج دراسة مسحية أجريت على الحالات الجديدة المسجلة خلال النصف الأول من الشهر الحالي، تبين منها استمرار ارتفاع عدد المصابين في محافظات القاهرة والجيزة ودمياط والأقصر والمنوفية والقليوبية والدقهلية، وهي تقريباً المحافظات نفسها التي كانت الأعداد فيها كبيرة بشكل ملحوظ مع بداية انتشار الجائحة في الرييع الماضي. وتتميز تلك المحافظات باختلاط كبير بين مواطنيها والقادمين من الخارج للسياحة أو التجارة، أو العائدين من العمل بالخارج.

استمرار ارتفاع عدد المصابين في محافظات تتميز باختلاط كبير بين مواطنيها والقادمين من الخارج

وسجلت الإحصائية تراجعاً في إصابات المحافظات الساحلية والمناطق السياحية، مقارنة بالشهر الماضي، الذي سجّل أرقاماً عالية هناك بعد السماح للقرى السياحية والفنادق بالعودة للعمل مع البداية الفعلية للموسم الصيفي. وشاب ذلك أيضاً تراخ واضح في تطبيق قرارات غلق الشواطئ ومنع الحفلات الخاصة والعامة، خصوصاً في منطقة الساحل الشمالي وباقي المنتجعات الصيفية.
كما أوضحت الدراسة ظاهرة جديدة، هي الارتفاع الملحوظ لعدد المصابين في الشريحة العمرية بين 20 و30 عاماً بنسبة 35 في المائة تقريباً، وكذلك الشريحة العمرية بين 30 و40 عاماً بنسبة 25 بالمائة، وهو ما تفسره المصادر بأن الموجة الثانية تصيب الفئات الأكثر انخراطاً في الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية، بعد عودة العديد من مجالات العمل بطاقتها الكاملة، على أمل تعويض الخسائر الفادحة التي لحقت بها.
ورصدت فرق وزارة الصحة في حملاتها التفتيشية غير المنتظمة للمطاعم والمقاهي والمناطق السياحية والصناعية، تجاهلاً متزايداً لتعليمات السلامة والتباعد الاجتماعي والإجراءات التي تضمنها البرنامج الذي أعدته الوزارة للتعايش مع كورونا، والذي لم يتم اعتماده رسمياً، وأخذت منه الحكومة بنوداً محدودة. وجاء هذا التجاهل استجابة لضغوط مارستها بعض الجهات على ما ستتكلفه من أموال طائلة تفوق ميزانياتها في تطبيق بعض البنود، مثل الإلزام بارتداء الكمامات، وشراء المواد المطهرة، وزيادة المركبات الخاصة بنقل العمال، وتخصيص أماكن داخل المنشآت كعيادات وأماكن للعزل.
فعلى عكس توجه الإدارات العلمية، رضخت اللجنة العليا لمكافحة كورونا للمطالبات مختلفة المصادر بتخفيف الإجراءات الإلزامية، وبجعلها غير مرتبطة بعقوبات على المنشآت الحكومية أو الخاصة أو رجال الأعمال، بحجة حاجة الدولة للاستثمارات والعمل وعدم تعطيله أو طرد المستثمرين الأجانب. كما خرجت مطالبات أخرى بدعم مالي من الحكومة والوزارات المعنية للمنشآت، في صورة إعفاءات ضريبية أو تخفيضات لبعض الرسوم لتوفير التمويل الكافي لاستحداث بنود التعايش، ما أفرغ خطة التعايش من مضمونها تماماً لحساب رجال الأعمال والإدارات، في وقت كانت وزارة الصحة والجهات العلمية الأخرى توصي بالعمل على تشديد الإجراءات.
يذكر أن القرارات الحكومية الأخيرة التي صدرت أول من أمس، الإثنين، تشمل استئناف إقامة الأفراح في الأماكن المكشوفة بالمنشآت السياحية والفندقية الحاصلة على شهادة السلامة الصحية بحد أقصى 300 فرد، وإقامة صلوات الجنازة في المساجد التي لها ساحات فضاء مكشوفة في غير أوقات الصلوات اليومية، وتنظيم المعارض الثقافية في أماكن مفتوحة بنسبة حضور لا تتعدى 50 في المائة، واستئناف إقامة الاجتماعات والمؤتمرات بنسبة حضور 50 في المائة، وبحد أقصى 150 فرداً.
وقال مصدر حكومي لـ"العربي الجديد"، بعد ساعات من إصدار تلك القرارات، إنها تمهد لتنظيم عددٍ من الفعاليات التي يحرص النظام الحاكم والحكومة على إجرائها في الأشهر القليلة المقبلة، على رأسها منتدى الشباب، الذي اعتاد السيسي حضوره والتحدث فيه. ورجح المصدر أن تجرى نسخة مختصرة من المنتدى هذا العام، ومعرض بيع السلع الدراسية "أهلاً بالمدارس" ومعرضا الإسكندرية (المحلي) والقاهرة (الدولي) للكتاب.