كيف يهدِّد الاندفاع نحو غاز البحر المتوسط بدفع اليونان وتركيا إلى الحرب؟

أدَّت المواجهة المتزايدة والنديَّة حول الوصول إلى احتياطيات الغاز إلى تحويل النزاع بين تركيا واليونان، الذي دار في السابق حول قبرص، إلى نزاعٍ يورِّط الآن ليبيا وإسرائيل ومصر والإمارات، ويغذي قضايا سياسية أخرى في البحر المتوسط، علاوة على أنه يثير المخاوف من صراعٍ بحري بين الدولتين العضوتين بحلف الناتو في بحر إيجه.  وأخذت الأزمة تتعمَّق […]

كيف يهدِّد الاندفاع نحو غاز البحر المتوسط بدفع اليونان وتركيا إلى الحرب؟

أدَّت المواجهة المتزايدة والنديَّة حول الوصول إلى احتياطيات الغاز إلى تحويل النزاع بين تركيا واليونان، الذي دار في السابق حول قبرص، إلى نزاعٍ يورِّط الآن ليبيا وإسرائيل ومصر والإمارات، ويغذي قضايا سياسية أخرى في البحر المتوسط، علاوة على أنه يثير المخاوف من صراعٍ بحري بين الدولتين العضوتين بحلف الناتو في بحر إيجه. 

وأخذت الأزمة تتعمَّق في الشهور الأخيرة، مع تزعُّم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تلك الدول داخل الاتحاد الأوروبي التي تعارض السياسة الخارجية، متزايدة العسكرية لتركيا، قائلاً إنه لم يعد من الممكن اعتبار تركيا شريكاً في البحر المتوسط. وقد عرض على رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، دعماً عسكرياً فرنسياً يتضمَّن احتمالية بيع 18 طائرة مقاتلة من طراز رافال. 

كانت القضية على جدول أعمال اجتماع مجموعة Med7 لقادة الدول الأوروبية الجنوبية المُطِلَّة على البحر المتوسط، الذي عُقِدَ في جزيرة كورسيكا الفرنسية يوم الخميس 10 سبتمبر/أيلول، وستُطرَح القضية مرةً أخرى في اجتماع مجلس الاتحاد الأوروبي في 23 سبتمبر/أيلول، ذلك الاجتماع الذي سيناقش فرض عقوباتٍ قاسية على القطاع المصرفي التركي المتعثِّر بالفعل، بسبب طلبه للوصول إلى مساحاتٍ شاسعة من شرق البحر المتوسط. 

وتستكشف ألمانيا، الوسيط الرئيسي بين تركيا واليونان، تعزيز الاتحاد الجمركي بين تركيا والاتحاد الأوروبي من أجل تهدئة النزاع، الذي قد تفاقَمَ على خلفية الاكتشافات الهيدروكربونية الهائلة على مدار العقد الماضي في شرق البحر المتوسط. 

لطالما سعت تركيا إلى إنشاء اتحادٍ جمركي أوسع مع الاتحاد الأوروبي، ورغم أن اليونان قد ترى أيَّ عرضٍ من هذا القبيل باعتباره مكافأةً مضايقة تركيا لها، تعتقد ألمانيا أن استخدام العصا والجزرة ضروريٌّ لإقناع تركيا بتغيير استراتيجيتها. 

لكن ألمانيا أيضاً تحذِّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أن استراتيجيته أحادية الجانب الحالية تؤدِّي إلى طريقٍ تجاريٍّ مسدود، إذ لن تقبل أيُّ شركة غاز خاصة على التعاون مع تركيا إذا حاولت استغلال المطالبات غير القانونية باحتياطيات الغاز. 

وحفَّزَ النطاق الواسع للاحتياطيات، علاوة على الطموحات التركية، إسرائيل ومصر واليونان وقبرص وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية، العام الماضي، لتشكيل منتدى غاز شرق المتوسط من أجل إرساء خطة مشتركة لاستخلاص وتصدير الغاز من المنطقة. وسوف تود فرنسا الانضمام للمنتدى، أما الإمارات، التي تصارع أيضاً التدخل التركي في ليبيا، فهي تدعم المنتدى، وتُنشئ شبكةً مناهضة لتركيا. 

وترى تركيا أن اليونان تطالب ببحر إيجه اقتصادياً باعتباره يونانياً خالصاً، حتى رغم أن تركيا تتمتَّع بخطٍّ ساحليٍّ أطول. 

يرى بعض المُحلِّلين الأتراك، مثل الأدميرال السابق جيم غوردينيز، النزاع باعتباره القضية الجيوسياسية للقرن الحادي والعشرين، وهي كذلك فرصةٌ لتحدي تسويات الاتفاقية التي عُقِدَت منذ قرنٍ مضى في أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية. يقول غوردينيز: “نحن ندافع عن موطننا البحري. إنه مبدأ دفاعي بعدما سرقت اليونان وقبرص جرفنا القاري، الأمر الذي يمثِّل أكبر تحدٍ جيو-استراتيجي في القرن”. 

وزاد ماكرون بالفعل من وجود البحرية الفرنسية في البحر، ودعا إلى سحب سفينة الاستطلاع التركية عروج ريس، مصحوبةً بسفن البحرية التركية. وتقوم السفينة بإجراء مسوحاتٍ زلزالية جنوب قبرص. وقد تأتي لحظةٌ مهمةٌ يوم 12 سبتمبر/أيلول، حين يحين انتهاء التحذير البحري المُوجَّه لعروج ريس التركية. وإذا مُدِّدَ التحذير، فسوف ترتفع مخاطر الصدام البحري بين اليونان وتركيا، العضوتين بحلف الناتو، إما عن طريق الصدفة العارضة وإما بتعمُّد ذلك. 

وأدَّى الخوف من خروج الصراع من السيطرة إلى بحثٍ عاجلٍ عن وسيطٍ محايد وجدول أعمال مُتَّفَق عليه من أجل إجراء محادثات. وكانت جهود الناتو لإجراء محادثات خفض تصعيد بحري تقني قد أُجِّلَت بعدما اعترضت اليونان على مشاركة الناتو. وأصرَّ وزير خارجية اليونان، نيكوس دندياس، على أن تبدأ المحادثات فقط حين تتوقَّف التهديدات. ثم سافَرَ إلى نيويورك لكسب دعم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

وبدأت جهودٌ موازية للوساطة من قِبَلِ الاتحاد الأوروبي، من خلال الرئاسة الألمانية، في تحقيق تقدُّم. وبناءً على طلب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أوقَفَ أردوغان أنشطة الاستكشاف التركية بالقرب من قبرص الشهر الماضي أغسطس/آب، ولم تُستأنَف هذه الأنشطة إلا حينما أعلنت اليونان اتفاق ترسيم حدود مع مصر مقارباً لذلك الذي وقَّعَته تركيا وليبيا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. 

وتواجه وساطة ألمانيا عراقيل تفرضها التحذيرات التركية بأن على الاتحاد الأوروبي أن يكون محايداً، وأن الاتحاد الأوروبي منحازٌ لصفِّ أعضائه، مثل اليونان وقبرص. ويصرُّ السفير التركي لدى المملكة المتحدة، أوميت يالتشين، على أن بلاده جادةٌ في السعي إلى المحادثات مع اليونان. 

لكن الحلَّ صعبٌ، بالنظر إلى أن الطرفين لديهما مطالباتٌ شرعية، علاوة على أن قانون الترسيم البحري، المُعقَّد بطبيعته، يُفسَّر بشكلٍ مختلف في اليونان عن تركيا، الأمر الذي يؤدِّي بالطرفين إلى نشر خرائط متناقضة تماماً للجرف القاري، وبالتالي المناطق الاقتصادية الخالصة لكلٍّ منهما. 

تحدِّد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي وقَّعتها 167 دولة، لكن لم توقِّعها تركيا، حدود المناطق الاقتصادية الخالصة على أساس الجرف القاري لكلِّ بلد. ووقع ما يصل إلى 300 نزاع بحري مماثل في جميع أنحاء العالم. وتسمح الاتفاقية للجزر المأهولة بالسكان والتي تتمتَّع بأهليةٍ اقتصادية أن يكون لها مناطق اقتصادية خالصة. ويمكن لليونان، من خلال ملكيتها لجزر دوديكانيسيا اليونانية الاثنتي عشرة المُبعثَرة، أن تطالب بحقوق الاستكشاف. 

وتُعَدُّ جزيرة كاستيلوريزو الصغيرة، التي تقع على بعد كيلومترين من الساحل التركي و500 كليومتر من البرِّ الرئيسي لليونان، ملكيةً يونانية، لكنها كانت في القرن الماضي في حيازة تركيا وإيطاليا وألمانيا، وكانت أيضاً محميةً بريطانية. وتهدِّد تركيا بإرسال سفنٍ حول الجزيرة لاسكتشاف الاحتياطيات الهيدروكربونية. 

ويقول أولئك المُحلِّلون الذين يضغطون على كلا الجانبين لقبول الوساطة، كما حدث مع الكثير من البلدان في نزاعاتٍ مشابهة، إنه من الناحية العملية ربما قد لا تؤيِّد محكمة العدل الدولية في لاهاي موقف اليونان المتشدِّد. 

وكتب يونس إمري أجيكغونول، الدبلوماسي التركي السابق والخبير في قانون ترسيم الحدود البحرية: “في حلِّ النزاع، يتمثَّل السؤال الأول في ما إذا كانت الجزر لديها نفس المنطقة البحرية مع البرِّ الرئيسي”. وأضاف: “تريد تركيا استبعاد الجزر اليونانية من المنطقة الاقتصادية الخالصة، بينما تودُّ اليونان إعطاء ثقلٍ كاملٍ لهذه الجزر. وما مِن إجابةٍ حاسمة لهذه الأسئلة. ولقد كان التأثير الواقع على الجزر إحدى أكثر القضايا خلافاً في تاريخ قانون ترسيم الحدود البحرية”. 

لكنه يقول إن السوابق القضائية تُظهِر أن عوامل تتضمَّن حجم ووضع وموقع الجزر وبُعدها عن البرِّ الرئيسي، ينبغي وضعها في الحسبان. ومن غير المُرجَّح، على سبيل المثال، أن يجد التحكيم أن جزيرة كاستيلوريزو تقدِّم مُبرِّراً لتوسيع المنطقة الاقتصادية الخالصة لليونان من جزيرة روديس، على بعد 80 ميلاً (125 كيلومتراً) آخر نحو الشرق، ما يجرِّد تركيا من 400 ألف كيلومتر مربع من المياه. 

أما إغراء تركيا بالعودة إلى يانصيب التحكيم، فسيكون أمراً صعباً، نظراً لوجود خطر يتمثَّل في بقاء الجزء الأكبر من بحر إيجه في حوزة اليونان. لكن تركيا واليونان كادتا أن تتفقا على تسوية خلافاتهما في محكمة العدل الدولية في الفترة من 1976 إلى 1978، وتعثَّرَت هذه الخطة بسبب الشروط المُسبَّقة. والمخاطر الآن أصبحت أكبر. 

والحكم الدبلوماسي الأكبر يتمثَّل في ما إذا كان الصراع هو مجرد نزاعٍ حول الغاز، ويمكن تسويته من جانب رسَّامي الخرائط، أو في المقابل أن يُدفَع بواسطة الأيديولوجية العثمانية الإسلامية لأردوغان، إلى حدٍّ كبير بسبب ضعفه السياسي الداخلي. 

ويدَّعي منظرو الترسيم البحري أن مشكلات تركيا تنبع من التعامل غير العادل من قبل القوى الاستعمارية القديمة، بما في ذلك تعامل رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد لويد جورج، الذي كان منحازاً لليونان. ويجادل داعمو أردوغان بأن في مرحلةٍ من الضعف التاريخي، وبدون قوات بحرية، أُرغِمَت تركيا على توقيع معاهدة سيفر عام 1920، ثم مراجعتها غير الكافية في معاهدة لوزان عام 1923. وقد جَعَلَ هذا تركيا في الواقع مُحاصَرةً كقوةٍ غير ساحلية، رغم أنها تتمتَّع بحوالي 5000 ميل (8000 كيلومتر) من الخطوط الساحلية. 

ويتنامى القلق لدى الطبقات السياسية في فرنسا حول التوجُّه الإجمالي لتركيا. وقال جاك أتالي، الذي عمل مستشاراً للرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران، مؤخَّراً: “علينا الإصغاء لما تقوله تركيا، وأن نتَّخِذه بجديَّةٍ، والاستعداد للتصرُّف بكلِّ الوسائل. إذا كان سابقونا قد اتَّخَذوا خطابات هتلر بعين الاعتبار في الفترة من 1933 إلى 1936، لكان بإمكانهم منع هذا الوحش من تصعيد الأمور لفعل ما فعله”. 

ووضع المبعوث الفرنسي السابق لدى الأمم المتحدة، غيرارد أرود، تصرُّفات تركيا أيضاً في سياقٍ تاريخي، فكتب: “روسيا والصين وتركيا هم قوى لا تقبل الوضع الراهن على أساس نظامٍ عالمي حدَّده الغرب إلى حدٍّ كبير بين عاميّ 1945 و1991. إنهم يشعرون بالتشجيع بسبب السياسة الأمريكية وتوازن القوى الجديد. أين سيتوقَّفون؟ ماذا يجب أن يفعل الأوروبيون؟”. 

وطَرَحَ ماكرون الأمر بصراحةٍ في مؤتمر لوغانو، إذ قال: “لابد علينا أن نخلق مرحلة سلامٍ في البحر المتوسط، لأننا نشهد قوة إقليمية إمبراطورية تعود مجدداً ببعض الخيالات عن تاريخها الخاص، وأنا أشير بشكلٍ أساسي إلى تركيا”. 

وتتَّهِم تركيا فرنسا بالهستيرية والحقد، إذ تدَّعي أن فرنسا تشعر بالإحباط بسبب التدخُّل التركي في ليبيا في بداية عام 2020 لحماية حكومة الوفاق الوطني المُعتَرَف بها من قِبَلِ الأمم المتحدة في طرابلس، من هجومٍ شنَّه الجنرال خليفة حفتر المدعوم من فرنسا. 

ثم استغلَّت تركيا امتنان حكومة الوفاق الوطني، وضعفها السياسي، لإقناع رئيس وزرائها فايز السراج بتوقيع اتفاقيةٍ بحرية ثنائية جديدة. وتتعارَض الاتفاقية والخرائط التي تتضمَّنها تماماً مع حقوق الحفر اليونانية والقبرصية المُفتَرَضة مُسبَّقاً، متجاهلةً في الواقع وجود جزيرة كريت. وأشاد أردوغان بالاتفاقية باعتبارها على العكس من معاهدة سيفر وفجراً لنظامٍ جديد. 

ستحسم الأشهر القليلة المقبلة ما إذا كان على صوابٍ أم لا، وما إذا كان النظام سوف يتحقَّق عبر الحرب أم الدبلوماسية. 

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية.