لماذا اللجوء إلى الجيوش في مواجهة الوباء؟

قبل أسبوعين، قام الرئيس الصيني شي جين بينغ بزيارة المنتصر إلى عاصمة مقاطعة هوبي، ووهان، التي دمرها وباء كوفيد 19، ليعلن أن الفيروس قد "تم كبحه بشكل كبير"، وكانت محطته الأولى مستشفى بني بسرعة فائقة

لماذا اللجوء إلى الجيوش في مواجهة الوباء؟
قبل أسبوعين، قام الرئيس الصيني شي جين بينغ بزيارة المنتصر إلى عاصمة مقاطعة هوبي، ووهان، التي دمرها وباء كوفيد 19، ليعلن أن الفيروس قد "تم كبحه بشكل كبير"، وكانت محطته الأولى مستشفى بني بسرعة فائقة ويديره جيش التحرير الشعبي (PLA). فالجيوش في أنحاء العالم تقوم في الوقت الراهن بوضع بنادقها جانباً، وتلعب دورًا في الخطوط الأمامية في الحرب ضد الفيروس، ما سيخفف العبء على المدنيين المنهكين، ولكن قد تكون لذلك آثار بعيدة المدى على الكفاءة العسكرية للقوات. امتثال لتوجيهات "العسكر" ففي إيطاليا وإسبانيا، حيث ارتفعت معدلات الوفيات في الأسابيع الأخيرة، تم نشر الآلاف من الجنود في المدن المعزولة للقيام بدوريات في الشوارع وفرض عمليات الإغلاق. وفي بيرغامو شمال إيطاليا نقلت شاحنات الجيش جثث الموتى لتخفيف العبء عن المستشفيات. كذلك، اعتمدت الحكومات في كل من الأردن ولبنان والمجر وماليزيا وبيرو، وغيرها على جيوشها لترغيب المواطنين بالبقاء في أمان في منازلهم، مع العلم أن العديد من الدول تشعر بعدم الارتياح إزاء عمليات الإغلاق التي يفرضها جنود يحملون السلاح. قدرة على التخطيط ومعلوم أن للقوات المسلحة قدرات في دعم جهود الحكومات في نشاطات أخرى لا تقل أهمية. فهي تساهم في شن عمليات لوجستية كبيرة في وقت قصير. كما أن للقوات المسلحة فائضاً من القوى العاملة المرنة والمركبات الثقيلة، وخبرة في نقل مواد بغض النظر عن حجمها من مكان إلى آخر وانضباط ليس موجودا بين المدنيين. ففي غضون أسبوع في المتوسط، تقوم قيادة النقل في البنتاغون مثلا بأكثر من 1900 مهمة جوية و10000 شحن بري. وفي هذا السياق، قال جاك واتلينغ من المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو مركز أبحاث في لندن: "إن الجيش يمتلك القدرة على التخطيط أثناء تنفيذه عمله بطريقة لا يمكن للجهات المدنية أن تؤديها". ففي 19 مارس، أعلنت بريطانيا، التي اتبعت في البداية نهجًا متساهلاً في تطبيق التباعد الاجتماعي عن إيطاليا أو فرنسا، عن "قوة دعم COVID" الجديدة، وهي تتألف من أكثر من 20 ألف فرد، مدعومين بقوة احتياط. "قوة دعم COVID" وتابع قائلاً إنه "سيتم نشر المخططين العسكريين في مراكز مواجهة لتحديد الاختناقات وحلها من أجل توفير الرعاية الطبية لأضعف الفئات من الناس. كما سيجري تدريب عسكريين آخرين على قيادة ناقلات الأكسجين لخدمة الصحة الوطنية"، مضيفاً أن "هناك بلدان أخرى تفعل الشيء نفسه." ففي 22 مارس، نشرت وحدات الحرس الوطني (أي الاحتياط) في ثلاث ولايات أميركية، كاليفورنيا ونيويورك وواشنطن، لأداء واجبات مماثلة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن القوات المسلحة الاميركية في وضع جيد يمكنها من مساعدة أنظمة الرعاية الصحية المكتظة لسبب واحد، إذ غالبًا ما يكون لديهم مخزون كبير من الأدوات الطبية الحيوية. وفي هذا الإطار، وعد البنتاغون بتسليم 5 ملايين قناع تنفس و 2000 جهاز تنفس صناعي للسلطات المدنية. ولعل من الأسباب التي تدفع الحكومات غلى الاستعانة بالجيش حول العالم، هو ميل العسكر إلى الابتكار السريع أيضًا. فمختبر علوم وتكنولوجيا الدفاع البريطاني في بورتون داون، الذي لديه خبرة في التهديدات البيولوجية، على سبيل المثال يعمل على تطوير واختبار اللقاحات، ورسم خرائط لحالات الكوفيد 19. كما يعمل الجيش الأميركي وحده على 24 مرشحًا للقاحات، بالتعاون مع وكالات وشركات أخرى. العمل وسط الفوضى ويمكن أن تعطي تجربة زمن الحرب أيضًا رؤى مفيدة للطب المدني. وظهرت فائدة تجربة أجهزة التنفس الميكانيكية لتخفيف متلازمة الضائقة التنفسية الحادة (ARDS)، والتي كانت شائعة لدى المرضى الذين يموتون بسبب التنفس خلال الحرب العالمية الثانية. وقدم الأطباء العسكريون في العقود الأخيرة مساهمات مهمة للتقدم في تطوير التنفس الصناعي والعناية المركزة. كما يتدرب الأطباء العسكريون على العمل وسط الفوضى، وفي ظروف مثل عدم كفاية البنية التحتية والموارد. دور الجيش في ووهان منذ 25 يناير، أرسلت الصين أكثر من 10000 جندي إلى مقاطعة هوبي. وفي عاصمتها ووهان تم تسليم السيطرة على الإمدادات الطبية والأساسية بالكامل إلى جيش التحرير الشعبي. وفي شرق فرنسا، حيث اكتظت المستشفيات المحلية، يقوم أطباء الجيش ببناء مستشفى ميداني مكون من 30 سريرًا للحالات الصعبة من الوباء. كما أن الرئيس المكسيكي، الذي أعلن سابقا نيته حل الجيش، غير موقفه وسلمه قيادة عشر مستشفيات جديدة. وفي أماكن أخرى، يتعامل الأطباء العسكريون مع المستشفيات للتخلص من خدماتها الصحية العادية والاستعداد لفيضانات من حالات كورونا الأكثر خطورة. إلى ذلك، أرسلت أميركا سفن المستشفيات البحرية إلى لوس أنجلوس ونيويورك للمساهمة في استقبال المرضى المصابين ويعمل الجيش على إعداد وحدتين من المستشفيات المتنقلة. وأرسل ما يسمى بجيش المواطنين السويسري واحدة من كتائب المستشفيات الأربعة التي يبلغ قوامها 600 جندي لدعم المستشفيات المدنية. دبلوماسية الجيوش بمحاربة الوباء إلى ذلك، يمكن أن تكون المساعدة الطبية العسكرية أيضًا أداة للدبلوماسية. ففي 22 مارس، شرع الجيش الروسي في إرسال تسع طائرات نقل مليئة بالمركبات العسكرية المطهرة، وثمانية ألوية من الأطباء، وحوالي 100 من علماء الفيروسات وعلم الأوبئة، ومجموعات اختبار إلى المناطق الأكثر تضررا من إيطاليا. وحملت الشاحنات والطائرات شعار "من روسيا مع الحب" باللغتين الروسية والإيطالية. ومن المفهوم أن الدول المنهكة تريد تعبئة جيوشها للقيام بمهام الشرطة والأعمال اللوجستية والتطبيب، لكن القوات المسلحة مصممة أولاً وقبل كل شيء للحروب والقتال لا فرض غرامات في زوايا الشوارع أو توصيل الطعام إلى المتاجر الكبرى. ويخشى المختصون ان استخدام القوات المسلحة في حملات كورونا المستجد covid-19 سيؤثر على الاستعداد العسكري بشكل مباشر وغير مباشر. كورونا خطر على الجيوش وعادة ما يكون الأفراد العسكريون بحكم الشباب واللياقة أكثر قدرة على التخلص من آثار الفيروس لكنهم مع هذا ليسوا محصنين. وتتراوح أعمار أكثر من نصف حالات الإصابة بالفيروس التاجي في ولاية نيويورك بين 18 و 49 عامًا. غالبًا ما تعيش القوات في أماكن قريبة مما يزيد من احتمالية ووتيرة انتقال المرض. ويعتقد أن الحرس الثوري في إيران، القوة المسلحة الرئيسية في البلاد، تضرر بشدة من الوباء. وقد توفي جنرال كبير يوم 13 مارس. كما ثبت أن نتائج فحص قادة من الجيوش في كل من إيطاليا وبولندا إيجابية لـ covid-19. وبحلول الثالث والعشرين من مارس، أصيب 133 عسكريًا أميركيا بالفيروس. وفي 22 مارس أصبح مقاولا في البنتاغون أول حالة وفاة عسكرية أميركية بسبب الوباء. ولا يصدق العديد من الخبراء ادعاء الصين بأنه لم يصب عضو واحد في جيش التحرير الشعبي. ولكن حتى إذا تجاهلت الجيوش الآثار الصحية المباشرة لـهذا المرض الخطير، فإن تعطيل عملهم سيكون له عواقب طويلة الأمد. وفي حالة الضباط المعزولين ذاتيًا صعوبة تحقيق الإنتاجية المطلوبة منهم. وتقول ميا نوينز، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وهو مركز أبحاث في لندن، إن الأزمة عطلت سلاسل التوريد لصناعة الدفاع الصينية. كما يمنع "التباعد الاجتماعي" الجيوش من صقل مهاراتها القتالية. وقد أوقفت بريطانيا تقريبا كل تدريبها الأساسي للمجندين الجدد. وفي 11 مارس، ألغت النرويج مناورات مشتركة مع أميركا وحلفاء أوروبيين في القطب الشمالي بعد فترة وجيزة من الحجر الصحي لـ 23 جنديًا أميركيًا إثر مخالطتهم لزميل نرويجي مصاب. وبعد ذلك بيومين قامت أميركا بتخفيض Defender 2020، وهو تدريب كان سيشمل أكبر انتشار للقوات الأميركية في أوروبا منذ الحرب الباردة. واضطر كبير جنرالات أميركا في أوروبا إلى العزلة الذاتية بعد مخالطته جنرالا بولنديا مصابا في اجتماع تخطيطي للتمرين. كما تم إلغاء التدريبات الأوروبية الأخرى بالكامل. وأرجأت أميركا وكوريا الجنوبية مناوراتهما السنوية المشتركة. لكن الجيوش التي تتوقف عن ممارسة الرياضة من شأنها أن تصبح صدئة.