ماذا لو توقفت حرب أسعار النفط الآن؟ الكارثة مستمرة وقد تصبح أكبر، والسبب؟

تواصل صناعة السقوط الحر بسبب قرار ولي عهد السعودية الدخول في حرب أسعار كان يمكن تفاديها، والآن خرجت الأمور عن السيطرة في ظل انهيار الطلب بسبب وباء كورونا، فكيف سيكون شكل التعاملات النفطية في ظل سوق حرة لا تتحكم فيها أوبك؟ صحيفة واشنطن بوست الأمريكية نشرت تقريراً بعنوان: “أهلاً بكم في سوق النفط الحر فعلياً”، […]

ماذا لو توقفت حرب أسعار النفط الآن؟ الكارثة مستمرة وقد تصبح أكبر، والسبب؟
تواصل صناعة السقوط الحر بسبب قرار ولي عهد السعودية الدخول في حرب أسعار كان يمكن تفاديها، والآن خرجت الأمور عن السيطرة في ظل انهيار الطلب بسبب وباء كورونا، فكيف سيكون شكل التعاملات النفطية في ظل سوق حرة لا تتحكم فيها أوبك؟ صحيفة واشنطن بوست الأمريكية نشرت تقريراً بعنوان: “أهلاً بكم في سوق النفط الحر فعلياً”، تناول سيناريوهات حرب الأسعار في الأشهر المقبلة في ظل دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود جديدة بسبب فيروس كورونا. ماذا لو توقفت حرب الأسعار الآن؟ في النقطة التي نقف عندها حالياً، فإنّ تأجيل حرب أسعار النفط لن يُشكّل فارقاً كبيراً لصناعةٍ تنهار بالفعل تحت وطأة الطلب المُتراجع، كما فات أوان استخدام الدبلوماسية والمفاوضات الماكرة لتشارك أعباء خفض الإنتاج التي باتت الآن حتمية. إذ يُمثّل الضخّ الحُر للجميع، الذي أطلقته السعودية وروسيا، عاملاً مُهماً سيُؤثّر في شكل صناعة النفط على المدى البعيد، كما أوضح زميلي خافيير بلاس أنّ الأمر يُمثّل عرضاً جانبياً على هامش الخراب الذي جلبته عمليات الإغلاق بعرقلة الاقتصادات حول العالم، استجابةً لجائحة فيروس كورونا. وكثرت التوقّعات بانخفاضٍ في الطلب على النفط، في ظل شيوع تقديرات انخفاض الاستهلاك العالمي في أبريل/نيسان بنسبة 20% عن العام الماضي. وهذه النسبة تُساوي 20 مليون برميل في اليوم، أي ما يُعادل الاستهلاك الكامل للولايات المُتّحدة. وسيكون من المستحيل على أي مجموعةٍ صغيرة من المُنتجين أن تُخفّف آثار هذا النوع من التأثير نتيجة خفض الإنتاج، إلّا في حال قررت السعودية وروسيا خفض إنتاجها إلى الصفر، وهذا لن يحدُث بالطبع. شركة أرامكو السعوديةوتكمُن المشكلة هنا في أنّ بومبيو كان يقصد أن تخفض السعودية إنتاجها بشكلٍ أُحادي، بدلاً من محاولة التوصل إلى تحالفٍ قصير الأمد للراغبين ومن بينهم الولايات المتحدة، حتى نستطيع العمل معاً على مواجهة مشكلةٍ عالمية، وفي النهاية، كان هذا هو ما يحدُث دائماً في الماضي. ليست أول مرة ولكن ولننظر على سبيل المثال إلى الاستجابة للأزمة المالية الآسيوية، ففي فبراير/شباط عام 1999 أعرب بيل ريتشاردسون، وزير الطاقة في حكومة الرئيس بيل كلينتون آنذاك، عن مخاوفه إزاء أسعار النفط التي انخفضت إلى أقل من 10 دولارات للبرميل الواحد، وبعدها بشهرين، وافقت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) على خفض الإنتاج للمرة الثالثة على التوالي، واستعاد خام برنت عافيته بنهاية ذلك العام ليصل سعر البرميل إلى 25 دولاراً. وليس من المُفاجئ أنّ السعودية كانت مُستعدةً لتتزعّم الأمر حينها، وتحمّلت الجزء الأكبر من أعباء خفض الإنتاج، إذ كانت هي أيضاً بحاجةٍ إلى رفع أسعار النفط، وحينها كان النفط يُعتبر من الأصول المُستنفدة التي سترتفع قيمتها في المستقبل لا محالة، بالتزامن مع تجاوز الطلب للعرض المُتاح. وخفض الإنتاج كان سيترك نفطاً في باطن الأرض ستزداد قيمته مع مرور الوقت. ولكن ذلك الأمر حدث قبل وقتٍ طويل. وتغيّرت وجهات النظر السابقة -نتيجة عاصفة النفط الخام المُستخرج من الوقود الصخري، وزيادة الوعي بشأن الحاجة لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ومخاوف المُنتجين إزاء الوصول إلى ذروة الطلب على النفط التي حلّت في محل المخاوف إزاء الوصول إلى ذروة الإنتاج. أما النفط الموجود في باطن الأرض الآن، فهناك مخاطرةٌ بعدم إنتاجه مستقبلاً على الإطلاق. وحين نعود بالزمن إلى عام 1999، سنجد أنّه من المنطقي التنبُّؤ بانضمام أمريكا إلى جهود خفض الإنتاج. إذ كانت الولايات المتحدة تضُخّ أكثر من ستة ملايين برميل يومياً -أي أقل من نصف إنتاجها الحالي-، وكانت الدولة المستهلكة للنفط تستورد نحو 10 ملايين برميل يومياً من المنتجات الخام والمُكرّرة -أي أكثر من النفط الذي صدّرته. غياب القيادة الفعالة لكنّنا في عام 2020 وليس 1999، والولايات المتحدة الآن هي أكبر مُنتج للنفط الخام في العالم، إذ تضُخ نحو 13 مليون برميل يومياً -أي أكثر مما تستطيع السعودية توفيره في حال تشغيل كافة مصافيها النفطية بكامل طاقتها، وحتى الآن، صدّرت الولايات المتحدة نفطاً هذا العام أكثر من النفط الذي استوردته. محمد بن سلمان ودونالد ترامبومع ذلك، فإنّ ضعف القيادة من الرياض وواشنطن يعني أنّ الآوان قد فات على إعداد استجابةٍ مُنسّقة لانهيار الطلب. الخزانات كادت أن تمتلئ وكما هو الحال في الوقت الحالي، لن تجتمع منظمة أوبك حتى أوائل يونيو/حزيران، ولا نعلم بعد ما إذا كان حلفاء المنظمة الخارجيون -ومن بينهم روسيا- سينضمون إليها في اجتماع أوبك+ كبير، ورغم ذلك، فإنّ أيّ قرارٍ يتفقون عليه حينها لن يكون له تأثيرٌ حتى شهر يوليو/تموز على أقرب تقدير، لدرجة أنّ اتّخاذ قرارٍ غداً لن يظهر تأثيره حتى شهر مايو/أيار، بعد اكتمال مبيعات النفط الخام لشهر أبريل/نيسان الآن. وحينها ستكون خزانات النفط حول العالم على مشارف بلوغ سعتها الكاملة، في حين ستطفو السفن المليئة بالنفط غير المرغوب داخل المراسي الآمنة، وسيُجبر المُنتجون على إغلاق الآبار لأنّهم لن يمتلكوا مساحةً لتخزين النفط الذي يضُخونه من باطن الأرض. وبدون خفض الإنتاج، سنجد أنّه لا مفر من وقف الإنتاج، وشهد الاستشاريون في شركة IHS Markit فائضاً قدره 1.8 مليار برميل من النفط الخام الذي تكدّس خلال النصف الأول من عام 2020، رغم أنّ مساحة التخزين المتوافرة حالياً لا تتعدّى الـ1.6 مليار برميل. وفات أوان توزيع حصص خفض الإنتاج بطريقةٍ مُنظمة بين المُنتجين، إذ كانت فرصة أوبك الأخيرة في شهر مارس/آذار، لكن زعماء أمريكا أهدروا فرصتهم لتزعّم الموقف، وكما هو الحال الآن، فإنّ خفض الإنتاج سيتوزّع بحسب السوق على أساس من يمتلك إمكانية الوصول إلى خزانات النفط، ومن يخسر المال بسبب ضخّ النفط. أهلاً بكم في السوق الحرة.