نداء سينمائي لبناني: هل ينتهي القطاع كلّياً؟

أصدر سينمائيون وسينمائيات لبنانيون بياناً تناول أزمة قطاع السينما في ظلّ الأزمة الاقتصادية الخانقة والانهيار السياسي والاجتماعي.

نداء سينمائي لبناني: هل ينتهي القطاع كلّياً؟

 

قطاع السينما في لبنان يحتاج إلى دعم لتمكينه من "البقاء حيّاً"، ولمساعدته على الاستمرار. هذا حاضرٌ في بيانٍ (يمكن وصفه أيضاً بـ"نداء") لسينمائيين وسينمائيات لبنانيين، صادر منذ وقتٍ قليل. الانهيار ضاربٌ في شؤون الحياة كلّها. شركات تُقفِل أبوابها، وأخرى تُقلِّص عدد موظفيها وعمّالها، وبعضٌ منها يمتنع عن دفع الرواتب. الانهيار قاتل، في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والإعلام، والسينما جزءٌ من هذا كلّه. يقول البيان/ النداء إنّ الجروح كثيرة وخطرة، وإنّ البناء (مكاتب، استديوهات، آلات، إلخ) قابلٌ للإصلاح وإعادة الإعمار، وإنّ انفجار مرفأ بيروت (4 أغسطس/ آب 2020) "يُحطِّم أكثر من نافذة، ويسحق أكثر من آلة"، والأهمّ "يُصيب أكثر من واحد منّا بجروح خطرة".

منذ "انتفاضة 17 أكتوبر" (2019) اللبنانية، يُعاني قطاع السينما ارتباكات وتشنّجات. صالات عدّة تُقفل أبوابها، فالتظاهرات الليلية حاضرة قربها. الأزمة الاقتصادية تُسبِّب انتفاضة كهذه، وقطاع السينما يواجه تحدّيات سابقة عليها. يحاول كثيرون استكمال مشاريعهم. آخرون يُصرّون على مزيدٍ من العمل. لكنّ الوضع يزداد سوءاً. عاملات وعاملون في السينما اللبنانية، التي تشهد "تطوّراً حقيقياً في الأعوام الأخيرة، رغم انعدام أيّ دعم رسمي" (كما في البيان)، يُشاركون في الانتفاضة، ميدانياً وتعليقات فيسبوكية ونقاشات ومقالات وأفلاماً، وفي الوقت نفسه يجهدون للاستمرار، فالتوازن بين انتفاضةٍ وعملٍ أساسيٌّ بالنسبة إليهم.

الانتفاضة ليست عائقاً أمام استمرار عمل السينمائيين والسينمائيات، بل مطلبٌ وضرورة، يتمثّلان في اشتغالاتٍ جمّة، سابقة على الانتفاضة، تتناول أحوال الخراب اللبناني المزمن، بعيداً عن المباشرة والتسطيح. الانتفاضة تبدو كأنّها استجابة لحركة سينمائية لبنانية تكشف المخبّأ أو بعضه، وتُعرّي الممنوع أو جزءاً منه، وتفضح المستور أو تفاصيل قليلة فيه. هذا كلّه (المخبّأ والممنوع والمستور) مُحرّم المسّ به، لأن الطغمة الحاكمة منذ النهاية المزعومة للحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) تخشى كلّ تنقيبٍ في ملفات مغلقة بأمر منها، فالتنقيب يُسقط السلطات منها، ويتركها من دون قدرة على التسلّط لحماية مصالحها. الانتفاضة تبدو كأنّها امتداد لسينمائيات وسينمائيين ينخرطون في أحوال بلدهم وشؤون ناس بلدهم، أفلاماً وسجالاتٍ وتحرّكات ميدانية تحصل بين فترة وأخرى من أجل مطلب معيشي أو أكثر.

 

 

والانتفاضة نفسها ردٌّ على بداية انكشاف حجم الأزمة الاقتصادية، المُترجمة في الاجتماع والعيش والعلاقات، فإذا بسينمائيين وسينمائيات يستجبن لها ولمطالبها العامة، من دون تغاضيهم عن واجب النقاش والتحليل، قبل إصابة البلد بوباء كورونا، الذي يُنقذ ـ وإنْ لبعض الوقت ـ طغمة حاكمة تستفيد من قرارات تعبئة عامة لمنع التظاهر والمواجهة وإطلاق صرخة البحث عن خلاصٍ من خراب البلد. وكورونا يؤذي قطاعات كثيرة في البلد والعالم، فتتوقف أعمالٌ، ويُطرد عاملون وعاملات إما بحجّة تراجع العمل والأرباح، وإما بسبب انخراط عاملين وعاملات في "انتفاضة 17 أكتوبر"، فيكون الطرد بحجة تراجع العمل والأرباح "ضروريٌّ" لصاحب المؤسّسة، للتخلّص من صوتٍ حرٍّ، ولتخفيف أعباء عدّة عن كاهله.

أما انفجار مرفأ بيروت، فيُصيب الجميع بأضرارٍ إضافية وكثيرة، في جوانب العيش، كما في الذات والروح والجسد. الرؤية واضحة: الخراب شاملٌ، والواقع خطر. بيان السينمائيين والسينمائيات (العاملين والعاملات في مختلف جوانب المهنة) دعوة إلى دعمِ القادرين على الاستمرار والراغبين فيه "رغم كلّ شيء"، وإلى تمكين الشركات، القادرة على العمل، "من دفع رواتب موظّفيها في لبنان" وإنْ "لفترة يتمّ تحديدها، مع مراعاة خصوصية صعوبات كلّ شركة"، وإلى "إنشاء صندوق دعم لمساعدة العاملين لحسابهم الخاص (فريلانسرز)، ممن ليس لديهم عمل حالياً"، فهؤلاء تحديداً يُشكّلون الغالبية الساحقة من العاملين في السينما، و"ليس لديهم دخل ثابت".

فلا "الدولة" (المفقودة أصلاً) معنيّة بغير السياسة، وبغير المرتبط بها مباشرة. ولا وزارة الثقافة مهتمّة بما يُفترض بها أنْ تهتمّ به، منذ تأسيسها منتصف تسعينيات القرن الـ20، رغم اكتراثٍ واضح لوزراء قليلين بالثقافة والفنون، ضمن الأطر الضيّقة جداً في المؤسّسات الرسمية. لذا، يبدو البيان/ النداء السينمائيّ خطة عمل، تحرص على تقوية العَصَب السينمائي في لبنان، وتبغي حلولاً يعرف المطالبون بها مُسبقاً أنّها مؤقّتة، لكنّها قابلة لتخفيف بعض العبء الكبير عمن يشتغل في المهن السينمائية المختلفة، والمشتغلون في المهن تلك يواجهون اليوم أزمة تزداد حدّة، فتُفتح أمامهم طريق الهجرة: "إذا غادرت هذه المواهب والخبرات، فإنّ ذلك يكون نهاية قطاع السينما في لبنان".

فهل ينتهي قطاع السينما في لبنان فعلياً، أمْ أنّ إعلاء مستوى الصرخة منبثقٌ من قلقٍ فعليّ على واقع القطاع حالياً، وعلى مستقبله أيضاً؟ المخاطر كثيرة، والراهن يُنذر بأحوال مخيفة، والمناكفات السياسية تقول من دون لُبسٍ إنّ الأولوية للطائفة/ القبيلة لا لأي شيء آخر. هذا منافٍ لسينمائيين وسينمائيات كثيرين، ولآخرين يعملون في قطاعات تعاني، بدورها، أهوالاً عدّة. هذا مناقض لاشتغالات سينمائية، يواجه صانعوها صدامات مع سلطاتٍ تريد النسيان ركيزة عيش، وتحاول استئصال كلّ رغبة في تصالحٍ جذري مع تاريخ وذاكرة وراهن، لتشييد وطن وتأسيس دولة. هذا قاتل لأفراد يريدون خلاصاً في بلدهم، لا هجرة إلى منافي العالم، لكنّ المنافي والهجرات تبدو كأنّها قدرٌ.

 

 

البيان

"لبنان اليوم على شفير الهاوية"

لم يكن انفجار 4 أغسطس/ آب (2020) المُدمِّر حدثاً معزولاً، بل شكّل الضربة القاضية، اجتماعياً واقتصادياً ومالياً، حيث لم ينجُ من آثاره المدمِّرة أي قطاع، بعد فترة عصيبة أدّت إلى إغلاق مؤسّسات كثيرة. لا داعي هنا للتذكير بإهمال السلطات اللبنانية المذهل، وعدم كفاءتها وفسادها، التي تقع مسؤوليّتها على الحكومات المتعاقبة. ليست القطاعات الفنّية والثقافية، خاصة السينمائية، بجميع مكوّناتها، مُحصّنة ضد هذا الدمار. حطّم انفجار "4 آب" أكثر من نافذة، وسحق أكثر من آلة، والأهمّ من ذلك أنه أصاب أكثر من واحد منّا بجروح خطرة. ما يعنينا اليوم هو دعم الذين يريدون ويستطيعون الاستمرار، على الرغم من كل شيء، في الوقوف على أقدامهم. فليست دعوتنا الأساسية اليوم لمجرّد مساعدة على إصلاح المكاتب والاستوديوهات والآلات المختلفة الممكن إصلاحها، بل هي لتقديم مساعدة ضرورية وعاجلة للعاملين في قطاع السينما، ولا يقتصر هدفنا على تمكين الشركات التي ما زالت قادرة على العمل من دفع رواتب موظفيها في لبنان، بل يشمل الاهتمام بالغالبية العظمى من العاملين في قطاع السينما من غير الموظّفين، أي الـ"فريلانسرز (freelancers)"، إذْ ليس لديهم أي دخل ثابت.

فلنقلها بوضوح وصراحة: إذا غادرت هذه المواهب والخبرات ـ والبعض غادر أو يخطّط جدّياً للمغادرة ـ فإنّ ذلك ربما يكون نهاية قطاع السينما في لبنان، هذا القطاع الذي شهد تطوّراً حقيقياً في السنوات الأخيرة، على الرغم من انعدام وجود أي دعم رسمي. فالتجهيزات قابلة للإصلاح أو الاستبدال، أما الخبرة والمعرفة والموهبة فهي لا تعوَّض. لذلك، نقترح أنْ يتمّ ترتيب الأولويّات في توزيع المساعدات الحالية والقادمة بتوجيهها أولاً نحو دعم رواتب موظّفي الشركات المختلفة، لفترة يتم تحديدها (مع مراعاة خصوصية الصعوبات التي تواجه كل شركة)؛ وثانياً: أنْ يتمّ بالتوازي مع دعم الرواتب إنشاء صندوق دعم لمساعدة مختلف العاملين لحسابهم الخاص (فريلانسرز) ممّن ليس لديهم عمل حالياً، لتحفيزهم على عدم مغادرة السفينة.

لا بدّ من إجراء جردة سريعة بالعاملين في القطاع (مُفصّلة أدناه)، مع إعطاء الـ"فريلانسرز" وحاجاتهم أهمّية قصوى، بحسب الخبرة والتخصّص والإنتاج والتطلّعات، ولتطلّعاتهم أهمية خاصّة، لأنها تعني خاصةً الشباب الأكثر استعداداً للهجرة.

نقترح أن يسهم هذا الصندوق أيضاً في تطوير هيكليات تعاونية، ذات فائدة طويلة الأمد، تتجاوز العمل على تمتين حاضر قطاع السينما. بذلك، يكون هدفنا تطوير هذا القطاع مستقبلاً، على الرغم من صعوبة تخيّل أي مستقبل حاضراً.

بالنتيجة، من البديهي الدعوة إلى بدء العمل على بناء هذه الهيكلية في أسرع وقت ممكن، بالتعاون مع مكوّنات قطاع السينما كافّة، بهدف الحفاظ على ما لدينا من مواهب وخبرات مختلفة، وإبعاد اليأس المحدق بقطاعنا عنهم، على مختلف أعمارهم. فمن دون سينما أو فنون أو ثقافة، ماذا يبقى لنا، ومن نكون؟

النقاط الثلاثة للمساعدة:

1-) للموظفين/ات في شركات الإنتاج وما بعد الإنتاج: أ- صندوق لدعم معاشات الموظفين/ات لمدّة ثلاثة أشهر، ب- إحصاء لشركات الإنتاج وما بعد الإنتاج والموظفين/ات ومبالغ المعاشات، وج- متابعة وتدقيق شفّاف لإدارة المساعدة الماليّة.

2-) للمستقلين/ات (فريلانسرز): أ- صندوق دعم مادي للمستقلين/ات في مجال السينما، ب- إحصاء للمستقلين/ات في مجال السينما، ج- متابعة وتدقيق شفّاف لإدارة المساعدة الماليّة.

3-) للمتسقلين/ات (فريلانسرز): أ- إنشاء تعاونيات سينمائيّة لإنتاج مشاريع تدخّر المال للمستقلين/ات في مجال السينما، ب- إنشاء صناديق لدعم عمل التعاونيات، ج- متابعة وتدقيق شفّاف لإدارة الصناديق والتعاونيات.