هل تتعمد إسرائيل نشر كورونا بالضفة؟ قصة هروب عامل فلسطيني من الوباء تكشف أوضاعاً صادمة

“الموت بالكورونا يطاردنا في كل مكان، لو أُصبنا به سيلقينا الإسرائيليون على الحواجز بلا رحمة”.  لم يعد هناك خيارات أمام العمال الفلسطينيين في إسرائيل بسبب انتشار الوباء وطريقة تعامل أصحاب العمل والسلطات معهم، الأمر الذي جعلهم يتركون مصادر رزقهم التي هم في أشد الحاجة إليها في هذه الأزمة. من بئر السبع، حتى “حاجز” الظاهرية جنوب […]

هل تتعمد إسرائيل نشر كورونا بالضفة؟ قصة هروب عامل فلسطيني من الوباء تكشف أوضاعاً صادمة
“الموت بالكورونا يطاردنا في كل مكان، لو أُصبنا به سيلقينا الإسرائيليون على الحواجز بلا رحمة”.  لم يعد هناك خيارات أمام العمال الفلسطينيين في إسرائيل بسبب انتشار الوباء وطريقة تعامل أصحاب العمل والسلطات معهم، الأمر الذي جعلهم يتركون مصادر رزقهم التي هم في أشد الحاجة إليها في هذه الأزمة. من بئر السبع، حتى “حاجز” الظاهرية جنوب الخليل، وصولاً إلى الحجر الصحي في حلحول شمالاً.. هكذا كان خط سير رحلة العودة للعامل الفلسطيني أحمد ملحم، البالغ من العمر 57 سنة، من إسرائيل إلى جنوب الضفة الغربية.   رحلة لم تكن سهلة، بل كانت مليئة بالقلق والإجراءات الدقيقة في آنٍ واحد، كما يصفها الرجل الخمسيني لـ”عربي بوست“، أثناء سرده لحكاية عودته، بدءاً من فكرة راودته، إلى سلوك ترجَمَه عملياً أمس الأربعاء.   يقول ملحم، الذي يعمل في مجال البناء بمدينة بئر السبع في النقب، داخل أراضي 48، إنّه عندما شعر بخطورة الوضع الوبائي في إسرائيل جراء كورونا قرّر العودة إلى بلدة حلحول. كما أقنع 12 عاملاً آخرين ينحدرون من محافظة الخليل بضرورة ترك العمل فوراً، لإنقاذ أنفسهم وعائلاتهم من وباء محقق، فاقتنعوا وعادوا معاً. ويوضح أحمد ملحم أنه وزملاءه اتخذوا قرار العودة، رغم أنهم يعملون في منطقة مهجورة لا وجود للسكان فيها، ما يتيح لهم إمكانية العزل وعدم الاختلاط بأي إسرائيلي، غير أنّ شعوره بأن الخطر بات داهِماً مع تعاظم أعداد المصابين والوفيات في إسرائيل جراء الفيروس، غلّب شأن نجاتهم الصحية على حاجتهم المالية لإعالة أسرهم.  وبيّن ملحم أنه ومجموعة العمال العائدين معاً التزموا بتعليمات الحكومة الفلسطينية، خشيةَ تسببهم بنقل الفيروس -إذا ما حمله أحدهم لا سمح الله- إلى عائلاتهم ومجتمعهم. ويتابع: “عندما وصلنا إلى الحاجز الإسرائيلي قرب بلدة الظاهرية كانت مركبتان تابعتان لوزارة الصحة الفلسطينية تنتظران بالطرف الآخر. وبعد اجتيازنا للحاجز خضعنا للفحص، وتم أخذ العينات اللازمة”. وفي الوقت الذي تحدث فيه ملحم لـ”عربي بوست“، جاء نبأ وفاة أول سيدة فلسطينية ستينية متأثرة بإصابتها بفيروس كورونا، الذي نقله نجلها إليها بعدما جلبه من إسرائيل حيث يعمل. ويعلّق ملحم على النبأ قائلاً: “لهذا قررت أنا وزملائي العودة من داخل الخط الأخضر إلى بلداتنا، حتى لا تكون لقمة عيشنا نقمة على عائلاتنا، لا أريد الشعور بالذنب إذا ما تسببت في نقل الوباء لأسرتي ومجتمعي، وجودي في بلدي أفضل بكثير”.  فور وصول ملحم إلى حلحول ذهب مباشرة إلى بيت مهجور تابع للعائلة، حيث تم تخصيصه له كمكان يحجر نفسه فيه احترازياً مدة أربعة عشر يوماً، تطبيقاً لتعليمات الجهات الفلسطينية المختصة. وأكد ملحم أنه لن يختلط طيلة هذه المدة بعائلته المكونة من زوجته وخمسة أبناء، وأي أحد آخر، حمايةً لهم. العمال مصدر خطير للوباء عودة العامل في إسرائيل أحمد ملحم جاءت في خضم دعوات رسمية وحتى شعبية فلسطينية لعودة العمال من إسرائيل إلى الضفة، خاصة أنّ ثمة مخاوف من أن يُمثل عشرات الآلاف من هؤلاء العمال مصدراً خطيراً لنقل الوباء إلى مناطق السلطة.  وتعالَت هذه الأصوات أكثر بعدما قامت سلطات الاحتلال في الأيام الأخيرة بإلقاء عدد من العمال الفلسطينيين قرب الحواجز المتاخمة لمناطق الضفة، بطريقة لا إنسانية، بعد الاشتباه في إصابتهم بفيروس كورونا. وكان جنود الاحتلال قد ألقوا الشاب الفلسطيني مالك غانم عند حاجز بيت سير، قرب مدينة رام الله، بعد شكوك في إصابته بفيروس كورونا. لعلّ الاحتلال جسّد بذلك سلوكاً انتهازياً عبر استنزاف العامل الفلسطيني عندما يكون قوياً، ثم رميه على الأرض حينما يكون مريضاً، وسط صمت مُطبق من قبل منظمة العمل الدولية.   وكيل وزارة العمل الفلسطينية سامر سلامة، تحدث لـ”عربي بوست” عن عدد العمال الفلسطينيين في إسرائيل، قائلاً إنه في الوضع الطبيعي هناك 92 ألفاً يحصلون على تصاريح عمل مُوثّقة لدى الوزارة الفلسطينية، لكنّه يُقرّ أن هناك عدداً مماثلاً أيضاً لعمال داخل أراضي 48 والمستوطنات بطريقة “غير شرعية- دون تصاريح”.  جيش الاحتلال يُبقي على ثغرات في السياج ليعود العمال للسلطة دون فحص الخطورة في عودة العديد من العمال الفلسطينيين في اليومين الماضيين، أنها تمت بأعداد كبيرة، وخلسةً من قبل البعض، ودون علم السلطة الفلسطينية، والخوف الأكبر أن أياً منهم قد يشكل مصدراً لنقل الفيروس إلى مكان سكناه.  المعضلة في مسألة عودتهم تكمن في اعتراف سامر سلامة بـ”عجز” السلطة في رام الله عن رصد العدد الإجمالي للعائدين، لأن عودتهم تتم دون أي تنسيق بين السلطة والجانب الإسرائيلي.  الاحتلال شيد الجدار لعزل الضفة والآن يرشد العمال للثغور حتى يعودون لمناطق السلطة دون تحليل/رويترزناهيك عن أن جيش الاحتلال يُبقي على ثغرات في السياج الفاصل بين الضفة والخط الأخضر، الأمر الذي يتيح المجال للعمال للعودة إلى مناطقهم بالتهريب ودون قدرة السلطة على إحصائهم وفرزهم وفحصهم .  لهذا، وضعت جميع أجهزة السلطة الفلسطينية في حالة استنفار كامل لرصد العمال الذين بقوا في إسرائيل والآخرين الذين عادوا، في محاولة لمنع تفشي فيروس كورونا بالضفة الغربية نتيجة نقله من إسرائيل. وقد عممت السلطة بضرورة التزام البيت من قبل كل عامل عاد من الدولة العبرية للتوّ، وألّا يخرج منه حتى لا يقع تحت طائلة المسؤولية. ثلاثة أيام حاسمة يصف سامر سلامة في حديثه لـ”عربي بوست” أيام الأربعاء والخميس وحتى الجمعة بالحاسمة؛ إذ يتحدد على ضوئها ما إذا كانت السلطة الفلسطينية قد تمكنت من ضبط عودة العمال بطريقة تكرس سيطرتها على الوباء القادم عن طريقهم من إسرائيل، أو أن تكون السلطة قد فقدت السيطرة، وهو ما سيدفعها للإعلان عن مرحلة جديدة أكثر خطورة في مواجهة كورونا في الأراضي الفلسطينية.  ولهذه الغاية، تم ضخ ستة آلاف متطوع جديد في لجان الطوارئ بالضفة الغربية، من أجل السيطرة على قضية العمال القادمين من إسرائيل. وتمنى سلامة نجاحهم بالسيطرة قائلاً “يارب يلطف وننجح في عملية الضبط؛ لأن الأمر معقد، إذا استطعنا ضبط أسماء العمال العائدين حتى الجمعة واستقرت الأمور سنكون بخير”. بدوره، قال محافظ طولكرم عصام أبو بكر لـ”عربي بوست” إن السلطة الفلسطينية غير قادرة على ضبط الدخول والعودة المستمرة للعمال من وإلى إسرائيل عبر مدينة طولكرم، مبيناً أن ضبط الأمر بحاجة إلى جهود كبيرة.  عُمّال يرفضون العودة حتى الآن في المقابل، رصد “عربي بوست” عمالاً فلسطينيين مازالوا رافضين لفكرة العودة الفورية من إسرائيل إلى الضفة الغربية، من منطلق أنهم يفكرون في ذلك، ولكن ليس الآن.. ومن بين هؤلاء الفلسطيني الخمسيني علي زيد، من قلقيلية، حيث يعمل في مجال البناء في مدينة هرتسليا الإسرائيلية. ويقول بلهجته الفلسطينية: “مافي شي واضح. بفكر بالعودة لبيتي إذا سرّحنا المُشغّل والسلطات الإسرائيلية”. ويبرر العامل بقاءه بأنه بحاجة لإعالة عائلته، وأنه وأربعة شباب فلسطينيين آخرين يحاولون عدم الاختلاط بأحد، ويقومون بتعقيم أنفسهم بالكحول مراراً، لمنع الإصابة بعدوى الفيروس. ضباط شرطة فلسطينيون أمام كنيسة المهد التي تم إغلاقها كإجراء وقائي ضد كورونا في بيت لحم /رويترز لكنّ علي زيد يشدد على التزامه بتعليمات الصحة الفلسطينية في حال قرر العودة إلى عائلته في أي لحظة، مضيفاً “ما عندي استعداد أجيب ضرر لعيلتي وبلدي.. ورح أحجر نفسي لـ14 يوم بناء على تعليمات الصحة الفلسطينية”.  مصطفى عبدالباقي من زيتا- جماعين، قضاء نابلس، يبلغ من العمر 37 سنة، هو الآخر لا يزال يعمل في مدينة قلنسوة داخل الخط الأخضر، في مجال الطلاء- موبيليا.. ويعتقد أنه سيعود في حال قررت السلطات الإسرائيلية إغلاق المعابر. ولم يُخفِ عبدالباقي شعوره بالخوف والقلق طيلة الوقت من فيروس كورونا. وقال: “أبلغتُ المجلس القروي في بلدتي أنني في حال عُدت سأقوم بالتنسيق معه والجهات المختصة، مع اتباع إجراءات الحجر المنزلي، حتى لا أتسبب بأذية أحد”.