هل تطيح تركيا بالنفوذ الفرنسي في مالي بعدما ضجر شعبها من سياسات ماكرون؟ إمام وهابي صوفي يحدد الفائز بالمعركة

أثار تواصل تركيا السريع مع صنّاع الانقلاب الأخير في مالي تساؤلاتٍ حول ما إذا كان التنافس المستمر بين تركيا وفرنسا قد تدخَّل بدورٍ في الانقلاب العسكري المالي الذي أطاح الرئيس المحاصر بالاحتجاجات في أغسطس/آب، وهل تستطيع تركيا أن تأخذ مكان النفوذ الفرنسي في مالي؟ وجاءت زيارة وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، للمستعمرة الفرنسية السابقة […]

هل تطيح تركيا بالنفوذ الفرنسي في مالي بعدما ضجر شعبها من سياسات ماكرون؟ إمام وهابي صوفي يحدد الفائز بالمعركة

أثار تواصل تركيا السريع مع صنّاع الانقلاب الأخير في مالي تساؤلاتٍ حول ما إذا كان التنافس المستمر بين تركيا وفرنسا قد تدخَّل بدورٍ في الانقلاب العسكري المالي الذي أطاح الرئيس المحاصر بالاحتجاجات في أغسطس/آب، وهل تستطيع تركيا أن تأخذ مكان النفوذ الفرنسي في مالي؟

وجاءت زيارة وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، للمستعمرة الفرنسية السابقة في 10 سبتمبر/أيلول، قبل زوال الغبار عن الانقلاب الذي وقع قبلها بفترة قصيرة في 18 أغسطس/آب، والتقى أوغلو خلالها بأعضاء “اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب” التي شكلها الانقلابيون،  لتثير كثيراً من التكهنات في هذا الشأن، حسبما ورد في تقرير لموقع Al-Monitor الأمريكي.

رجل باريس.. الشعب يحمل فرنسا مسؤولية تدهور أوضاع البلاد

كانت الاحتجاجات التي مهدت الطريق للانقلاب الذي أزاح الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا ورئيس الوزراء بوبو سيسي، قد تصاعدت بعد الانتخابات المثيرة للجدل التي أُجريت في الربيع الماضي. واشتعلت الاحتجاجات بتوجيه من الإمام محمود ديكو، ذي النفوذ الواسع، قبل أن تنضم جماعات المعارضة المالية إلى قواها، ويخطط الجميع لمسيرة حاشدة تهدف إلى إسقاط الحكومة في 19 أغسطس/آب. غير أن المجلس العسكري استبق اشتعال الأوضاع، وآثر التحرك مبكراً، ليستولى على السلطة قبل يوم واحد من المسيرة الحاسمة.

بغض النظر عن دعمهم لتركيا أو معارضتهم لفرنسا، كان الشعب المالي لديه بالفعل كثيراً من الأسباب للنزول إلى الشوارع، أسباب ليس أقلها سوء الإدارة والمحسوبية والفساد والفقر وسوء التعامل مع جائحة كورونا. ويضاف إلى ذلك أعمال العنف التي تشهدها البلاد، فقد وقعت المقاطعات الشمالية، ومنها كيدال وغاو وتمبكتو، في قبضة الانفصاليين وتحولت إلى جيوب للحركات المسلحة.

رئيس مالي المطاح به/رويترز

وقد فاقمَ فشل الحكومة في احتواء التمرد من حالة انعدام الثقة بين عموم الناس. إذ عجزت الحرب التي تشنها الحكومة، برعاية من الأمم المتحدة، وتكلف البلاد نحو مليار دولار سنوياً، عن تحقيق أهدافها، ما أتاح للعنف أن يمتد إلى العاصمة باماكو. وزاد عليها انهيار محادثات المصالحة بين المتمردين بقيادة الطوارق والحكومة المالية.

وهكذا بات هذا التدهور سبباً رئيساً في تحوّل العديد من الماليين، ومنهم ديكو الذي كان قد دعم في السابق التدخل العسكري الفرنسي ضد المتطرفين الذين سيطروا على المناطق الشمالية، عن تأييد باريس، ملقين باللوم عليها في تفاقم الأزمة التي تعيشها البلاد. واتهم ديكو فرنسا بمحاولة استغلال حرب البلاد ضد المتطرفين لإعادة استعمار الدولة الواقعة في غرب إفريقيا. وأصبح كثير من الماليين ينظرون إلى كيتا على أنه “رجل فرنسا في باماكو”، كما صرّح ديكو بأنه يعتقد أن رئيس الوزراء سيسي بقي في منصبه بحماية من باريس.

هل ديكو مؤيدٌ لتركيا؟

ومع ذلك، فإن عداء ديكو لفرنسا لا يعني بالضرورة أنه مؤيدٌ لتركيا، خاصة إذا استدعينا خلفيته التعليمية التي شهدت مرحلتها الأبرز في المملكة العربية السعودية. فالإمام، الذي ينحدر من محافظة تمبكتو الجنوبية الشرقية التي تعد منارة الصوفية الإفريقية في البلاد، درس العلوم الدينية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في السعودية. لكن، وعلى الرغم من تأسيسه على التعليم الوهابي، فإن ديكو يعتنق مزيجاً من الثقافة الوطنية المالية والقيم التقليدية والتعاليم الصوفية. ومع ذلك، فإن باريس تعتبره وهابياً يقبل بالتحاور مع المتطرفين.

غير أن المزاعم بشأن دورٍ لتركيا في انقلاب مالي استندت إلى علاقات لديكو مع تركيا. فبحسب ما ورد، ساعد ديكو أنقرة في تأمين قطعة أرض لها في باماكو لبناء مسجد تشرف عليه تركيا. كما أن الإمام لديه علاقات مع حركة “الرؤية الوطنية” (مللي جوروش) Millî Görüş الإسلامية في تركيا، والتي سبق أن أشاد بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ومع ذلك، فإن مثل هذه العلاقات غير التنظيمية بين الجماعات الإسلامية ليس أمراً مستغرباً، كما أن للحركة علاقات مماثلة مع حركات إسلامية أخرى في جميع أنحاء العالم. ومن ثم، فإن اعتبار هذه العلاقات مؤشراً على دور تركي محتمل في الانقلاب المالي يبدو أمراً مبالغاً فيه.

هل تستطيع تركيا أن تأخذ مكان النفوذ الفرنسي في مالي؟

علاوة على ذلك، وعلى الرغم من الجدل المثار حول دورٍ للعلاقات التاريخية لمالي مع فرنسا في الحيلولة دون أن تعمق تركيا علاقاتها مع مالي بالقدر الذي تريده أنقرة، فإن الواقع يشهد بأن أردوغان لطالما احتفظ بعلاقات جيدة مع كيتا. فقد افتتحت تركيا سفارتها في مالي في العاصمة باماكو في عام 2010، وزار أردوغان البلاد للمرة الأولى في عام 2018. غير أنه، ورغم الجهود التي بذلتها تركيا، فإن أنقرة لم تحصل على القدر اللازم من النفوذ داخل المؤسسة الحاكمة المالية والمجتمع المدني بالقدر الذي يكفل لها المساهمة في تغيير مسار الأحداث، ومن ثم ظل تأثيرها أقل بكثير من تأثير فرنسا.

ويضاف إلى ذلك أنه ليس ثمة علاقات واضحة بين قادة الانقلاب العسكري في مالي وتركيا. فقد تلقى قائد المجلس العسكري الذي تزعم الانقلاب، العقيد أسيمي غويتا، تدريباته العسكرية في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا. وعندما اختطفت ميليشيات مسلحة غويتا في 2012، كان للإمام ديكو دوراً في إطلاق سراحه. وحتى يقال إن غويتا أحد مريدي الإمام ديكو.

أنقرة ليس لديها نفوذ بالجيش 

وفي الوقت نفسه، يقال إن اثنين من قادة المجلس العسكري، هما ساديو كامارا ومالك دياو، تربطهما علاقات قوية مع روسيا. ويستشهد البعض بأن كامارا أخذ إجازة من تدريبه في روسيا وعاد إلى بلاده قبل 15 يوماً فقط من الانقلاب.

في المقابل، فإن تركيا لا تملك أي نفوذ خاص بها على الجيش، فقد اقتصرت مساهمتها في أمن البلاد على ضابطي شرطة فقط، في الوقت الذي يبلغ فيه عدد قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي نحو 13 ألف جندي، إضافة إلى 5100 جندي أرسلتهم فرنسا.

الرئيس التركي رجيب طيب أردوغان مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون/رويترز

ومع ذلك، لا يزال بإمكان المرء رؤية نوعٍ من تضارب المصالح بين فرنسا وتركيا بشأن مالي. فقد انتقد أردوغان الاستعمار الفرنسي في عديد من خطاباته حول إفريقيا. وفي مقابلة أجراها في سبتمبر/أيلول الماضي، حمل أردوغان على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بسبب زيارته لمالي، قائلاً: “ما العمل الذي لديك هناك؟”، وأشار إلى أن 95% من سكان مالي هم من المسلمين.

ومن جانبها، سلطت وسائل الإعلام التابعة لحزب العدالة والتنمية التركي الضوءَ على الدعم الكبير الذي يحظى به الانقلاب شعبياً، كما انتقدت “المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا” (ECOWAS) لإغلاق حدودها وتعليق علاقاتها التجارية مع مالي على إثر الانقلاب. كما أن إدانة فرنسا للانقلاب ودعوتها مجلس الأمن الدولي لعقد اجتماع طارئ تغذي المزاعم بأن الاحتجاجات والانقلاب تحمل مشاعر معادية لفرنسا.

فرنسا أول من تواصل مع الانقلاب السابق وأنقرة أدانته

ومن الجدير بالذكر أن فرنسا كانت أول دولة تواصلت مع القادة العسكريين في مالي بعد انقلاب عام 2012. فيما كانت تركيا أول من تواصل معهم هذه المرة. وقد يكون لهذا تفسيران مختلفان: وهي أن أنقرة تنظر إلى الأطراف المالية التي تعارض فرنسا بوصفها حليفة لها، أو أنها ببساطة لا تريد تفويت فرصة إقامة علاقات مع قادة البلاد المحتملين.

وفي هذا السياق، فإن الموارد الطبيعية لمالي، ومنها مناجم الذهب والنحاس والنيكل والفوسفات والمنجنيز واليورانيوم والليثيوم، قد يكون لها دور في رغبة لتركيا، خاصة وأن التجارة بين البلدين، وإن زادت قيمتها إلى 57 مليون دولار من 5 ملايين دولار في عام 2003، فإنها لا تزال دون المستوى المطلوب. ومن ثم تكون غاية تركيا تعزيزَ العلاقات الاقتصادية والسياسية، عن طريق المساعي الإنسانية والدبلوماسية النشطة.

تركيا تتعهد بمساعد مالي على العودة للنظام الدستوري، والغضب من فرنسا يفيدها

وعلى هذا النحو، يمكن النظر إلى لقاء جاويش أوغلو مع قادة المجلس العسكري على أنه نوع من إضفاء الشرعية على الانقلاب. كما أن أوغلو امتنع خلال زيارته عن الإشارة علناً إلى “مخاوف تركيا العميقة“، والتي سبق أن أبْدتها وزارة الخارجية التركية في أعقاب الانقلاب مباشرة. وبعد لقائه بغويتا، قال الوزير التركي إن تركيا ستساعد الشعب المالي في العودة إلى النظام  الدستوري.

على الجانب الآخر، فإن مسؤولية فرنسا عن انحدار مالي إلى الاضطرابات قد تكون سبباً في خلق فراغ في السلطة، تتوق تركيا إلى ملئه. ومع ذلك، فإن السياسات الفرنسية الفاشلة التي تجاهلت مشكلات البلاد الأخرى من أجل الاستمرار في حربها على الإرهاب على مدى السنوات الثماني الماضية، لا يكفل لتركيا نجاحاً في مالي. علاوة على أن فرنسا لن تخاطر بتهديد لحصصها في مالي ومنطقة الساحل. وبالفعل، فإن لقاء السفير الفرنسي مع القادة العسكريين في مالي بعد ستة أيام فقط من الانقلاب وبيان وزير الخارجية الفرنسية الذي أعرب عن دعم الشعب المالي، كلها إشارات إلى أن باريس قد تكيفت بالفعل مع الوضع الجديد في مالي دون ركونٍ إلى الذعر.