هل تفتح الصين والاتحاد الأوروبي فصلاً جديداً أمام الاقتصاد الدولي؟

في ظل تداعيات عالمية لجائحة كورونا، واستحقاقات مؤجلة لأزمة سياسية واقتصادية متصاعدة بين واشنطن وبكين، تعقد اليوم قمة افتراضية عبر الفيديو بين الرئيس الصيني شي جين بينغ، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس المجلس الأوروبي تشارلز ميشيل

هل تفتح الصين والاتحاد الأوروبي فصلاً جديداً أمام الاقتصاد الدولي؟
في ظل تداعيات عالمية لجائحة كورونا، واستحقاقات مؤجلة لأزمة سياسية واقتصادية متصاعدة بين واشنطن وبكين، تعقد اليوم قمة افتراضية عبر الفيديو بين الرئيس الصيني شي جين بينغ، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس المجلس الأوروبي تشارلز ميشيل ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، حيث تسعى بكين لإصلاح صورتها المتضررة من فيروس كورونا، ومواجهة الضغط المتزايد من واشنطن، وإقناع أوروبا بأنها ستفي بوعودها بشأن فتح أسواقها أمام التجارة الحرة.
ومن المنتظر أن تتناول المحادثات مع الرئيس شي مسيرة المفاوضات الصعبة الدائرة منذ سبع سنوات بشأن اتفاقية استثمار بين الطرفين، تهدف لتحسين وصول الشركات الأوروبية إلى السوق الصينية وضمان حماية الاستثمار.
وذكرت تقارير صحافية صينية أن الرئيس شي سيضطر إلى تقديم تنازلات إذا أراد منع بروكسل من الاقتراب من واشنطن أكثر من بكين، وسيتعين عليه إجراء عملية توازن دقيقة خلال سعيه لكسب ود قادة الاتحاد الأوروبي، ومنعهم من الاقتراب من الولايات المتحدة منافس بكين اللدود.
وتوقعت التقارير أن تسعى بكين خلال القمة للظهور كمثال على التعاون والشراكة، خاصة في خضم مواجهتها الدبلوماسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، لكن مسؤولين في الاتحاد الأوروبي أكدوا عزمهم الوقوف بحزم في القضايا التي لا يتفقون بشأنها مع الحكومة الصينية.

وقد أجرى الجانبان أكثر من ثلاثين جولة من المحادثات خلال السنوات الماضية، بشأن اتفاقية حماية الاستثمار، ولكن لا تزال هناك قضايا رئيسية يتعين معالجتها، مثل دعم بكين القوي للشركات المملوكة للدولة والذي يسبب ضغطا قويا على الشركات الأوروبية، فضلا عن الحماية المناسبة للملكية الفكرية، والوصول إلى الأسواق، ومن المرجح أن يطالب الاتحاد خلال القمة، الرئيس شي بإلقاء ثقله السياسي للسماح للمفاوضين الصينيين بتقديم المزيد من التنازلات.
ووصفت مصادر أوروبية محادثات القمة الافتراضية بأنها قد تكون الفرصة الأخيرة للصين للتحرك ومحاولة كسب ود أوروبا بعمل حقيقي وملموس قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، وحث مسؤولون أوروبيون الحكومة الصينية على اتخاذ خطوات عملية لفتح سوقها وإزالة الحواجز أمام الشركات الأجنبية.

وقال سفير الاتحاد الأوروبي لدى الصين، نيكولا تشابويس، إن هناك حاجة لملء الفجوة بين الواقع والوعود، وهو ما فسره مراقبون بأنه يعكس الإحباط الأوروبي المتزايد بشأن عدم رغبة الصين على ما يبدو في اتخاذ إجراءات ملموسة لدعم وعودها الانفتاحية، وأضاف السفير أن الشيء الوحيد الذي من شأنه أن يفيد الصين على المدى المتوسط والطويل هو الإصلاح.

 فيما قال رئيس غرفة تجارة الاتحاد الأوروبي في الصين يورج ووتكي إن الجانب الأوروبي يريد صفقة، ويحتاج إلى شيء قوي، مضيفا أن الوعود شيء والصفقة شيء آخر، وإن بروكسل ليست بحاجة إلى وعود بعد الآن.

 وشرح ووتكي الذي أعطى الأولوية للوصول إلى السوق باعتباره الشاغل الأوروبي الأكبر، إن المستثمرين الأوروبيين لا يتلقون معاملة متبادلة من الصين في مجالات عمليات الموانئ والخدمات القانونية.

وتحاول بكين الاقتراب من الاتحاد الأوروبي وسط تصاعد التوترات بينها وبين الولايات المتحدة، وقد اختتم وزير الخارجية الصيني وانغ يي رحلة إلى فرنسا وألمانيا وإيطاليا والنرويج وهولندا مؤخرا.

ويبدو أن الصين تريد الدعم من الأوروبيين لكنهم يرفضون زج أنفسهم بلعبة التوتر بين أكبر اقتصادين في العالم، وأكد المفوض الأوروبي للشؤون الصناعية تييري بروتون أن أوروبا لن تكون ساحة معركة بين واشنطن وبكين، مضيفا أنه على الرغم من أن الصين شريك ضروري وبالرغم من الاختلافات العديدة مع الإدارة الأميركية، فإن الشراكة عبر الأطلسي تظل العلاقة الأهم بالنسبة للاتحاد الأوروبي.
وقال مبعوث بكين لدى الاتحاد الأوروبي تشانغ مينغ إن الجانبين يواجهان خيارا يمكن أن يشكل مستقبل العالم، وإن عليهما اتخاذ القرار الصحيح بين فتح الأبواب أو إغلاقها، مؤكدا أن الصين ملتزمة بالانفتاح، ودعا بروكسل إلى معالجة عوائق السوق أمام الاستثمار الصيني بدول الاتحاد، وفي كلمة ألقاها أمام ندوة أعمال في بروكسل مؤخرا قال تشانغ إن وتيرة الإصلاح تحددها الظروف المحلية، لكن بكين ستواصل الانفتاح، وأشار أيضا إلى وجود قلق متزايد بين المستثمرين الصينيين في أوروبا، الذين أبلغوا عن بيئة أعمال أقل ودية منذ بدء جائحة فيروس كورونا.
وتفيد تقارير بحثية أن عدد الشركات العاملة في الصين يتزايد باستمرار، ومع نهاية عام 2018، تجاوز العدد أربعة وثلاثين مليون شركة صينية وأجنبية، وفي شنغهاي وحدها، هناك أكثر من 87000 شركة أجنبية، منها أكثر من 10000 من أوروبا و14000 من الولايات المتحدة، حيث تساهم الشركات الأجنبية في ربع الناتج المحلي الإجمالي للمدينة بالإضافة إلى 60 في المائة من تجارتها الخارجية.

وتأمل أوساط من الطرفين الصيني والأوروبي إنجاز اتفاقية حماية الاستثمار قبل نهاية العام الجاري، وسيكون لذلك نتائج اقتصادية إيجابية ضخمة للاقتصادين الصيني والأوروبي والدولي، ويعتبر الاتحاد الأوروبي أكبر تكتل تجاري عالمي، وأكبر مصدر للخدمات والسلع المصنعة بالعالم، وأكبر سوق دولي يضم 500 مليون مستهلك، ويتمتع بعلاقات قوية بالأسواق العالمية.
ويعد اقتصاد الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم من حيث القيمة الاسمية بعد الولايات المتحدة، وبعد الصين من حيث معادلة القوة الشرائية، وقُدر الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي بنحو 18.8 تريليون دولار عام 2018، ممثلا نحو 22 بالمائة من الاقتصاد العالمي وبلغت قيمة التبادل التجاري بين الصين والاتحاد الأوروبي 1,5 مليار يورو يوميا عام 2019.
وتوقع مركز أبحاث حكومي في بكين أن تتفوق الصين على الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد بالعالم عام 2032 وذلك استنادا إلى افتراضات بأن الصعود الاقتصادي للصين لا يمكن إيقافه.

 ورأى المركز أن الخلافات مع واشنطن ستستمر بالتصاعد وستزداد حدة خلال السنوات الخمس المقبلة، لكن محللين في هونغ كونغ يرون أن الصين قد لا تتفوق أبدا على الولايات المتحدة لتصبح الاقتصاد الأول بالعالم، بسبب شيخوخة سكانها، حيث سيتجاوز واحد من كل خمسة مواطنين صينيين سن الستين بحلول عام 2025، ويضيف هؤلاء أن التغييرات العالمية العديدة منذ جائحة كورونا والتي أدت إلى اشتداد الصراعات بين الولايات المتحدة والصين، تجعل من غير الواضح بشكل متزايد كيف سيتطور الاقتصاد العالمي مستقبلا وفي أي اتجاه.

(قنا)