هل كورونا عقاب للصين على ما فعلته بالإيغور أم ابتلاء للمسلمين؟ إليك الإجابة في أمرين

نشر صديقي الدكتور محمد أبو الرُّب، المحاضر في قسم الإعلام في جامعة بيرزيت، العبارة التالية في صفحته على فيسبوك: “إذا كان فيروس كورونا جندياً من جنود الله، فإن ابتكار علاج له وشفاء المصابين به يعني بالمنطق هزيمة لإرادة الله. هذا مثال بسيط على مغالطات بعض خطباء المساجد.. لذلك، لن يتطور الخطاب الديني إن لم يتحرر […]

هل كورونا عقاب للصين على ما فعلته بالإيغور أم ابتلاء للمسلمين؟ إليك الإجابة في أمرين
نشر صديقي الدكتور محمد أبو الرُّب، المحاضر في قسم الإعلام في جامعة بيرزيت، العبارة التالية في صفحته على فيسبوك: “إذا كان فيروس كورونا جندياً من جنود الله، فإن ابتكار علاج له وشفاء المصابين به يعني بالمنطق هزيمة لإرادة الله. هذا مثال بسيط على مغالطات بعض خطباء المساجد.. لذلك، لن يتطور الخطاب الديني إن لم يتحرر من المغالطات الكبرى، وتحديداً ثنائية الابتلاء والعقاب. فبحسب خطيب الجمعة فإن إصابة المؤمن بالفيروس هي ابتلاء، وإذا أصاب الكافر فهو عقاب، وفي الحالتين لا خيار إلا ما كتبه الله بحسب الخطيب، ثم فجأة يدعو الناس للوقاية وآداب العطس… نعم في ظل مغالطات كهذه وجب تعميم خطب الجمعة مكتوبة وأن يعدها أناس مختصون، مع تأهيل الخطباء على المدى القريب، وبدون ذلك تكون خطب الجمعة منصات تجهيل لا توعية”. استوقفتني عبارة الدكتور محمد طويلاً، وحرّكت لدي التفكير في ما يتداوله الخطباء وكثير من الناس أن كورونا هو عقاب من الله سبحانه وتعالى للصين على ما تفعله بمسلمي الإيغور، كما قال خطيب الجمعة في المسجد الذي صليت به الجمعة الفائتة. واعتبر البعض أن الفيضانات وانتشار الأوبئة، وحتى الزلازل والفيضانات في بعض الدول هي عقوبات على فجورهم. كما استذكرت أحاديث كثير من الناس من أن المصائب التي تنزل على رؤوس المؤمنين هي ابتلاءات، ذلك أن المؤمنين لم يفعلوا ما يُغضب الله تعالى. ثم ذهب بي التفكير إلى ما رمى به صديقي الدكتور محمد من أن هناك من يفعلون الفظائع بحق المسلمين وغير المسلمين، ولكن العقاب لا يقع عليهم. بل ترى وكأن البركات تتنزل عليهم، وأنهم يرفلون بأثواب الصحة والمال والسعادة. في حين أن العالم الإسلامي يغرق في المآسي والكوارث التي أصبحت بلا حدود، وأن كثيراً من المسلمين الذين لم يرتكبوا المعاصي يعانون من الفقر والذلّ والمرض. حتى إن بعضهم أخذت الشكوك تساوره حول حكمة الله سبحانه وتعالى فيما يحدث لهم، ولسان حالهم يقول: ماذا فعلنا لكي تقع هذه المصائب فوق رؤوسنا؟ وفي الحالة الأولى، حين تتنزل البركات والنِّعَم على “الظالمين” و “الفاسقين” و “الكافرين”، كيف يُفسّر هؤلاء ما يحدث لهم؟ هل يجب أن يشعروا أنهم على صواب، وأن الله تعالى كافأهم على أفعالهم؟ وماذا يفعل “المؤمن” حين تقع الكوارث عليه وعلى أسرته؟ هل يكفر، ويظن أن الله تعالى لم يستجب لدعائه، وأنه سبحانه لم يرحم ضعفه، ولم يقبل إيمانه وأعماله الصالحة؟ من المهم برأيي أن نفهم أمرين، حتى نستطيع إدراك البُعد الديني للثواب والعقاب، وكذلك لمفهوم الابتلاء. فقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم هذه المفاهيم، معززة بالأمثلة والقصص التي حدثت في الأمم السابقة. كما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في أحاديث كثيرة. ولكن المؤسف أن غياب فهم العبرة مما ذكر، وغياب التفكير العميق في تلك القصص، قاد الكثيرين إلى إسقاط ما ورد في النصوص الدينية على الواقع الذي نعيشه. بمعنى أن القرآن لم يؤكد أن كل من يرتكب إثماً سوف يُصاب بعقوبات محددة، مثل كورونا. فضلاً عن أن إصابة ظالم بكورونا، وعدم إصابة ظالم آخر بهذا الفيروس، يضع علامة استفهام على فهمنا للنصوص، ولا يُقدّم لنا ذريعة لإسقاط الحكم على الواقع. إن ما ورد من نصوص دينية هو وصف حال أقوام وأمم سابقة، ولم يُطلب منا توزيع الأحكام على البشر، والقول إن الله يعاقب فلاناً لأنه فعل كذا وكذا. فالأمراض والكوارث والمصائب تنزل بالمؤمن وغير المؤمن، وليس من حقنا أن نحكم على أحد بالقول إن هذا ابتلاء له، ونحكم على الآخر بالقول إن هذا عقاب له. إلا أنني أعتقد أن النصوص الدينية من شأنها أن تسهم في تربية النفوس، لا بإطلاق الأحكام. فعندما يعرف المؤمن أن العقوبة تكون لمن يرتكب المعاصي، فإنه سيراجع نفسه، ويكتشف خطأه. وليس من حق أحد أن يقول له: أنت عصيت، وهذا عقاب الله لك على أفعالك. كما وبنفس الأسلوب، يفهم الإنسان أنه يتعرض للابتلاءات، وعليه أن يصبر، وعليه أن يلتزم طريق الصلاح. الأمر الآخر، هو أن الله سبحانه وتعالى وضع قوانين ونواميس في الأرض، وأمر الناس أن يأخذوا بالأسباب. وهذا ينطبق على المؤمن وغير المؤمن. فإذا سار الإنسان، مهما كانت ديانته أو اعتقاده، وفقاً لتلك النواميس، فإنه سوف يصل إلى هدفه. لذلك، نجد أن دولاً وحكومات وحتى أشخاصاً (مسلمين وغير مسلمين) حققوا نجاحات كبيرة في الحياة، لأنهم أخذوا بالأسباب، وساروا وفقاً للقوانين التي وضعها الله تعالى. في حين أن الفشل كان حليف الأفراد والدول والمنظمات والمؤسسات التي لا تأخذ بالأسباب. ولا فرق هنا بين الناس في الدين أو العرق أو اللون أو الجنسية. إنني أتفق مع الدكتور محمد فيما ذهب إليه، ذلك أننا في كثير من الأحيان ننصّب أنفسنا قضاة، فنُطلق الأحكام على الناس، ونُدخل فلاناً الجنة، ونحكم على فلان بدخول النار. ثم نقول حين تقع مصائب في بعض الدول بأن الله يعاقبهم على أفعالهم، في حين لا تقع العقوبة على أقوام يمارسون أبشع أنواع الظلم على الأبرياء. ولو قرأنا النصوص الدينية بعمق، ولو اطلعنا على تاريخ الأمة، لاكتشفنا أن فهمنا للدين لا يتطابق مع حقيقته وجوهره.