هل يوجد طرق تساعدنا في تحسين ذاكرتنا؟

“ضع رطلاً واحداً (نصف كغم تقريباً) من البطيخ المقطع، ونصف كوب من عصير الأناناس، ونصف كوب من شراب الرَّم الأبيض، وربع كوب من التريبل سيك، وملعقة صغيرة من الغرينادين في إبريق الخلاط واخلطهم حتى يصبح المزيج رقيقاً”. هذه وصفة بطيخ الماي تاي. بسيط، أليس كذلك؟ نعم، لكن هذا لأن ذاكرتك العاملة تتيح لك الاحتفاظ بعدة […]

هل يوجد طرق تساعدنا في تحسين ذاكرتنا؟

“ضع رطلاً واحداً (نصف كغم تقريباً) من البطيخ المقطع، ونصف كوب من عصير الأناناس، ونصف كوب من شراب الرَّم الأبيض، وربع كوب من التريبل سيك، وملعقة صغيرة من الغرينادين في إبريق الخلاط واخلطهم حتى يصبح المزيج رقيقاً”.

هذه وصفة بطيخ الماي تاي. بسيط، أليس كذلك؟ نعم، لكن هذا لأن ذاكرتك العاملة تتيح لك الاحتفاظ بعدة أجزاء من المعلومات في ذهنك في نفس الوقت. إذا لم تكن قادراً على القيام بذلك، فسيكون اتِّباع وصفة بسيطة مهمةً مستحيلةً.

ذاكرتك العاملة هي مساحة عملك الذهنية. وعندما تعمل كما ينبغي، تُمكِّنك من الاحتفاظ بالمعلومات في ذهنك لفترات وجيزة من الوقت والتعامل مع هذه المعلومات ذهنياً، على سبيل المثال، إذا أُعطيت الأرقام 8 و3 و9، يمكنك الاحتفاظ بهذه الأرقام في ذهنك أثناء الجمع دون الحاجة إلى العودة إلى هذه الصفحة لمراجعتها. وإذا لم تتمكن من الاحتفاظ بثلاثة عناصر من رقم واحد في ذهنك لفترة كافية لجمعها فهذه علامة واضحة على وجود مشاكل في الذاكرة العاملة.

إذا كانت ذاكرتك العاملة دون المستوى، فقد تُضطر إلى التخلي عن بطيخ الماي تاي والبقاء مع كوكتيلات السكرودرايفر (الفودكا مع عصير البرتقال)، ولكن هذا سيكون أقل ما يقلقك. إذ يمكن لمشاكل الذاكرة العاملة التأثير سلباً على النجاح الأكاديمي على المدى الطويل وتمنعك من الوصول إلى إمكانياتك الحقيقية.

ويبدو أن ضعف الذاكرة العاملة يكمن في القلب من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه ADHD. فبحسب الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الخامس، يتطلب تشخيص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه وجود ستة أو أكثر من الأعراض التالية لمدة ستة أشهر أو أكثر: النسيان، والذهول، والإهمال، وقصر مدة الانتباه، وصعوبة في الإنصات، وصعوبة في اتباع التعليمات، وصعوبة تنظيم الأنشطة، والنفور من المهام التي تتطلب مجهوداً ذهنياً.

هل يوجد أساس وراثي لعجز التعلم؟

وفقاً لتريسي ألواي، الأستاذة المتخصص في التعليم، تشبه الذاكرة العاملة إلى حد ما أوراق التدوين الذهنية، ويسهل مدى جودة ذاكرتك العاملة طريقك إلى التعلم والنجاح أو يعيقها. وقد أجرت تريسي وفريقها دراسة فاحصة كبيرة لأكثر من 3 آلاف طالب. ومن بينهم، ظهر أن 10% يعانون من ضعف في الذاكرة العاملة أدى إلى انخفاض الأداء المتوقع في اختبارات اللغة الإنجليزية والرياضيات، وضعف مدة الانتباه، والنسيان، وصعوبات في اتباع تعليمات المعلم. وافترض الباحثون أن الاختلافات في قوة الذاكرة العاملة لدى الأطفال ترجع إلى حد كبير إلى الاختلافات الوراثية بينهم، وبالتالي قد ربما تعصى على التصحيح، على الأقل في الأعمار مبكرة.

ومع ذلك، كشفت الأبحاث الجديدة زيف التفسير الوراثي للاختلافات في قدرات الذاكرة العاملة. فعلى سبيل المثال، أظهرت الدراسات أن تدريب قدرة الذاكرة العاملة لدى الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يقلل بشكل كبير من خطر إعاقات التعلم طويلة المدى وضعف الأداء الأكاديمي. وبذلك يبدو أن التدريب المناسب قد يصحح عجز الذاكرة العاملة حتى لو كان في سن مبكرة؛ مما يقلل من احتمالية أن يكون لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يحتوي على مكوِّن وراثي قوي.

أثر التدريب على قدرة الذاكرة العاملة

في خمسينيات القرن الماضي، أجرى عالم النفس جورج ميلر دراسات على قدرة ذاكرتنا العاملة، مفترضاً أننا لا نقدر على الاحتفاظ إلا بما يتراوح بين خمسة وتسعة عناصر في ذاكرتنا العاملة في وقت واحد. ويمكن للعنصر الموجود في الذاكرة العاملة أن يكون رقماً أو حرفاً أو نغمةً أو نمطاً أعقد، كاسم صديق.

قد تبدو نتيجة ميلر بأن السعة القصوى لذاكرتنا العاملة هي تسعة عناصر مفاجئة في البداية، حيث تبدو وكأنها تتنبأ بأن رقم الهاتف الأمريكي، مع رمز المنطقة، يتجاوز قدرة ذاكرتنا العاملة.

لكن هذا ليس صحيحاً على الإطلاق. ففيما لا يمكننا حمل أكثر من تسعة عناصر في أذهاننا في نفس الوقت، إن كانت نتائج ميلر صحيحة، يمكننا الاحتفاظ بالعناصر الأعقد إلى أجل غير مسمى باستخدام عملية تسمى “التجزيء”. فعلى سبيل المثال، قد تُعتبر السلسلة المكونة من ستة أحرف: “FBICIA”، جزأين بالنسبة لشخص قادر على الاحتفاظ في ذهنه بمقطعي: “FBI” و”CIA”، وقد تُعتبر السلسلة المكونة من ثمانية أحرف: “LOLXOSYS”، ثلاثة أجزاء (“LOL”و، “XO” و”SYS”)، بدلاً من ثمانية لشخص على دراية بالكلام الجديد الذي نتج عن اختراع الإنترنت والرسائل النصية.

كانت دراسات ميلر لقدرة الذاكرة العاملة مصدراً رئيسياً للإلهام لأبحاث الذاكرة فيما بعد وفرضيات حول العقل. فعلى سبيل المثال، كانت ذات تأثير في تطوير ما يسمى بالنموذج الشامل لمساحة عمل العقل، الذي يقول إن العقل يحتوي على “سطح مكتب” تنفيذي به معلومات قابلة للتطبيق ومتغيرة باستمرار منتشرة فيه. وفي ثقافة الإنترنت اليوم، ربما تكون الاستعارة الأليق بالذاكرة العاملة هي تشبيهها بصندوق بريد إلكتروني لا يحتوي أبداً على أكثر من سبعة رسائل بريد إلكتروني تزيد أو تنقص اثنين، ويمكنك المناورة بها عن طريق الرد عليها أو إكمال المهمة المطلوبة.

وأظهرت الأبحاث الحديثة أن رقم ميلر السحري، سبعة، ربما يكون أكبر من الواقع. والتقدير الأقرب للواقع هو أنه يمكن للناس الاحتفاظ بما يتراوح بين عنصر إلى أربعة عناصر في وقت واحد. وقد أظهرت النتائج الأحدث كذلك إمكان زيادة قدرة الذاكرة العاملة من خلال ممارسة الاحتفاظ بالعناصر في الذهن. فقد وجد بوب وفيرهايغين، عالما النفس، مثلاً أن قدرة الذاكرة العاملة للمشاركين الذين خضعوا لمهام تدريب الذاكرة لخمسة أيام قد زادت من سعة الذاكرة العملة لديهم من عنصر إلى أربعة عناصر. وتشير هذه النتائج إلى أنه لا يوجد حد معين لسعة الذاكرة العاملة.

وأسفرت دراسات أخرى عن نتائج مماثلة. ففي إحدى الدراسات، جنَّد الطبيب النفسي كلينبرغ وزملاؤه 53 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 7 و12 عاماً يعانون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وقسموهم إلى مجموعتين. وكُلِّف أطفال المجموعة الأولى بأداء مهام الذاكرة العاملة تزداد صعوبتها تصاعدياً، فيما كلِّف أفراد المجموعة الثانية بمهام ظلت على مستوى صعوبة واحد طوال فترة التجربة. وفي نهاية الدراسة، كان أداء المجموعة الأولى، التي ازدادت صعوبة مهام الذاكرة العملة تدريجياً، أفضل بكثير من المجموعة الثانية في الاختبارات النهائية لذاكرتهم العاملة.

تدريب الذاكرة العاملة يصلح أخطاء مُرشَّحات الأفكار العشوائية 

لكن الفرضية القائلة بأن “تمرين” الذاكرة العاملة يعزِّز قدرتنا على الاحتفاظ بالمعلومات في الذهن والتلاعب بها من خلال جعلنا قادرين على تحريك المزيد من المعلومات ليست الفرضية الوحيدة المطروحة. هناك فرضيةٌ أخرى تطرح أن “تمارين” الذاكرة العاملة يمكنها منع المعلومات غير ذات الصلة من التداخل مع معالجة المعلومات في الذاكرة العاملة. 

على سبيل المثال، أجرى عالما الأعصاب ماكناب وكلينغبرج دراسةً قارنا فيها المشاركين الذين يعانون من ذاكرةٍ ضعيفة بأفرادٍ يتمتَّعون بذاكرةٍ عاملةٍ جيِّدة بصورةٍ خاصة. طُلِبَ من المُتطوِّعين تذكُّر عناصر على شاشة الحاسوب ذات مربعاتٍ مختلفة الألوان أثناء وجودهم داخل ماسح ضوئي للدماغ. وكشفت النتائج أن مناطق قشرة الفص الجبهي من الدماغ، والتي تشارك في مهمات الذاكرة، صارت أنشط بشكلٍ كبير خلال مهمات الذاكرة التصنيفية لدى المشاركين ذوي الذاكرة العاملة الجيِّدة، لكن ليس لدى المشاركين ذوي القصور في هذه الذاكرة. 

تطرح هذه النتائج أن التدريب لا يحسِّن بالضرورة الذاكرة العاملة، لكنه يمدِّد سعتها، مِمَّا يسمح لك بالاحتفاظ بعناصر أكثر والتلاعب بها في الوقت نفسه. في المقابل، فإن التدريب يحسِّن الذاكرة العاملة من خلال تقليص سعتها، على الأقل حين يتعلَّق الأمر بمعلوماتٍ غير ذات صلة تتدخَّل في المهمة التي تفكِّر فيها. 

هذا بدوره يقدِّم لنا سبباً للتفكير في أن قصور الذاكرة العاملة لا يجب أن يكون نتيجةً لسعةٍ محدودة للذاكرة العاملة، لكنه يمكن أيضاً أن يكون نتيجةً للذاكرة العاملة التي تسمح بالكثير من المعلومات غير ذات الصلة في مساحة العمل العقلية. مثل رسائل الـSpam العشوائية على البريد الإلكتروني، فإن المعلومات غير المُتعلِّقة بالمهمات التي تفكِّر فيها لا تفعل شيئاً سوى تشويش مساحة العمل العقلية. ويمكن لمُرشَّحٍ فعَّال لهذه الأفكار العشوائية أن يمنع الفوضى التي لا طائل منها من ملء مساحة العمل العقلية وتشتيتك عن إتمام مهمتك. 

اليوم، حتى المُرشَّح فائق الفاعلية للرسائل العشوائية لن يقوم بالمهمة على أكمل وجه حين يتعلَّق الأمر بمنع صنادق البريد لدينا من الامتلاء بسرعةٍ أكبر على نحوٍ متزايد، لتصبح في النهاية غير قابلة للسيطرة على الإطلاق. لكن دون مُرشَّح الرسائل العشوائية، قد يستغرق الأمر أياماً وليس فقط ساعات لإلغاء المعلومات غير الضرورية والسماح لك بالتحكُّم والتلاعب بالمعلومات التي من المُفتَرَض أن تعمل عليها. في هذه الطريقة الثانية لتوضيح منافع تدريب الذاكرة العاملة، يمكننا مقارنة ذاكرة عاملة ضعيفة الكفاءة بصندوق بريدٍ ممتلئ بصورةٍ متزايدة؛ ذلك النوع من صناديق البريد الذي يمنعك من إتمام عملك. 

وهكذا فإن هناك طريقتين يُمكِّنك من خلالهما التدريب على تحسين ذاكرتك العاملة. إحداهما من خلال زيادة سعة مساحة عملك، وبالتالي السماح لك بالتحريك الذهني للمزيد من العناصر في الوقت نفسه. وطالما أن المعلومات غير ذات الصلة لا تدخل مساحة عملك الذهنية، فإن قدرتك على العمل مع عناصر أكثر في الوقت نفسه قد تسفر عن معالجة معلوماتية أكفأ. 

أما الطريقة الأخرى التي يمكن بها يؤدِّي تمرين الذاكرة العاملة إلى تحسين هذه الذاكرة، فإنها تتمثَّل في إصلاح مواطن الخلل في مُرشَّحات الأفكار العشوائية في الدماغ، وبالتالي تمكين نظامك المعرفي من الاحتفاظ بالمعلومات غير ذات الصلة بالمهمة خارج مساحة عملك الذهنية. ورغم المُشتِّتات، يجب أن تكون قادراً على معالجة المعلومات في ذاكرتك العاملة بصورةٍ أكفأ. 

– هذا الموضوع مترجم عن مجلة Psychology Today الأمريكية.