وصف قتلى الجيش الأمريكي بالحمقى والفاشلين ولم ينسحب من الشرق الأوسط.. لماذا سيخسر ترامب معركته القادمة؟

يكشف الجدل الدائر حول تصريحات وتشبيهات دونالد ترامب الجنود الأمريكيين الذين قُتِلوا وهم يحاربون، بأنهم “حمقى” و”فاشلون”، حقيقةً كبرى حول الفترة التي يقضيها بصفته القائد الأعلى للقوات المُسلَّحة؛ إذ استخفَّ بالقيادة العسكرية الأمريكية واستغلَّ قواتها المُسلَّحة من أجل أغراضٍ سياسية أنانية في الداخل والخارج. وازدراؤه البذيء لتضحيات وسلامة العسكريين من الرجال والنساء، والجنرالات الذين يقودونهم، […]

وصف قتلى الجيش الأمريكي بالحمقى والفاشلين ولم ينسحب من الشرق الأوسط.. لماذا سيخسر ترامب معركته القادمة؟

يكشف الجدل الدائر حول تصريحات وتشبيهات دونالد ترامب الجنود الأمريكيين الذين قُتِلوا وهم يحاربون، بأنهم “حمقى” و”فاشلون”، حقيقةً كبرى حول الفترة التي يقضيها بصفته القائد الأعلى للقوات المُسلَّحة؛ إذ استخفَّ بالقيادة العسكرية الأمريكية واستغلَّ قواتها المُسلَّحة من أجل أغراضٍ سياسية أنانية في الداخل والخارج. وازدراؤه البذيء لتضحيات وسلامة العسكريين من الرجال والنساء، والجنرالات الذين يقودونهم، يضاهي خرقه الأمانة مع حلفاءٍ عسكريين حول العالم. 

ما مِن شيءٍ يوضِّح موقف ترامب المُتهوِّر واللامبالي بقدر ما يوضِّحه ردُّه على الضربة الصاروخية الإيرانية على قاعدةٍ أمريكية في العراق في يناير/كانون الثاني الماضي. جاء الهجوم رداً على قرار ترامب باغتيالٍ الجنرال الإيراني قاسم السليماني. 

وبدافعٍ من خوفه من أنه ربما يكون قد أشعل فتيل حربٍ شاملة، قلَّلَ ترامب من شأن الإصابات في صفوف الجنود الأمريكيين، زاعماً أن قليلاً منهم كانوا يعانون من “صداعٍ وأشياء أخرى قليلة”. في الواقع، أُصيبَ أكثر من 100 جندي إصاباتٍ دماغية شديدة، وهي كارثة لم يعترف بها ترامب حتى اليوم. 

وحين ظَهَرَ في يونيو/حزيران أن الاستخبارات العسكرية الروسية عرضت مكافآتٍ على مُسلَّحين مرتبطين بحركة طالبان لقتل القوات الأمريكية والبريطانية في أفغانستان، لكن أنكر ترامب كلَّ ذلك، رافضاً تقارير موثوقة أفادت بأن المسؤولين قد أطلعوه على هذه المعلومات قبل أشهر. ورَفَضَ اتِّخاذ أي تحرُّكٍ ضد موسكو. وأظهَرَ ترامب لا مبالاة تامة مماثلة العام الماضي، حين أمَرَ القوات الأمريكية في شمال سوريا بالتخلي عن حلفائها الأكراد والخروج من حملة الحلفاء ضد تنظيم الدولة الإسلامية. 

فشل ترامب فشلاً ذريعاً في الوفاء بالتعهُّد الرئاسي لعام 2016 -وهو إخراج الولايات المتحدة من الحروب الأجنبية “اللانهائية”. وبعد أربعة أعوام، تظلُّ الكثير من القوات باقيةً في العراق وأفغانستان. وتخاطر محادثات السلام التي بدأت حديثاً بتسليم أفغانستان مرةً أخرى إلى طالبان، في تجاهلٍ لتضحيات الآلاف من جنود الحلفاء والجنود الأفغان. السلام بشرفٍ لا معنى له بالنسبة لترامب، فهو يقايض السلام من أجل الحصول على الأصوات الانتخابية. 

وبدلاً من إعادة القوات إلى الوطن، زاد ترامب بشكلٍ كبير من الانتشار الأمريكي في الخليج، من أجل ردع التهديد الإيراني الذي تفاقَمَ بسبب جهوده المهووسة للإطاحة بنظام طهران. في الواقع، وَضَعَ ترامب الأمريكيين في الطريق الخطأ للدفاع عن المستبدين الفاسدين العرب، وزيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية، وتعزيز القيادة اليمينية في إسرائيل. وفي الوقت نفسه، يقوِّض عمداً تحالفاتٍ أهم مثل الناتو، وتلك التحالفات مع اليابان وكوريا الجنوبية. 

يتردَّد صدى تقرير مثير لمجلة The Atlantic الأمريكية حول تشويه ترامب صورة القوات المُسلَّحة والسخرية منها، الأمر الذي أنكره بغضب، في كتابٍ جديد للصحفي بوب وودورد. ويُقتَبَس في الكتاب من لسان ترامب قوله: “جنرالاتي اللعينون هم حفنة من الجبناء. يهتمون بتحالفاتهم أكثر من اكتراثهم بالصفقات التجارية”. وحين طَلَبَت مجلة Foreign Policy الأمريكية تعليق جورج وايت، وهو زميلٌ سابق في الدراسة ومحاربٌ قديم، قال إنه فوجئ بتلك التصريحات، وأضاف: “في تعاملاتي معه كان لعيناً وبغيضاً بلا قلب”. 

وفي حديثه الأسبوع الماضي، هاجَمَ ترامب مُجدَّداً قادة الجيش الذين عيَّنَهم، وقال: “لا أقول إن الجيش يحبني، فالجنود وكبار الشخصيات في البنتاغون لا يحبونني لأنهم لا يريدون أن يفعلوا شيئاً سوى خوض الحروب، حتى تسعد الشركات التي تصنع القنابل والطائرات وكلَّ شيءٍ آخر”. وفي الحقيقة، يطرح استطلاعٌ جديد أجرته دورية Military Times للأفراد في الخدمة تزايد الاستياء الشامل من ترامب، إذ ينظر إليه 49.9% نظرةً غير إيجابية، ويُخطِّط الكثيرون للتصويت لصالح الديمقراطيين. 

يتطلَّب الأمر الكثير من أجل إثارة خوف الجنرالات الأمريكيين. ومع ذلك، هناك قلقٌ ملموس في البنتاغون من أن ترامب قد يحاول استمالة الجيش إذا سارت انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني ضده ورَفَضَ الاعتراف بالهزيمة، مثلما يتوقَّع كثيرون. وينتابهم القلق من أن ترامب قد يلجأ إلى قانون الانتفاضة، الذي أراد تفعيله في يونيو/حزيران من أجل قمع مظاهرات وحركة “حياة السود مهمة”، وأن يأمر القوات بالنزول إلى الشوارع لسحق المعارضة. كما لم تُنسَ حيلة ترامب القبيحة في انتخابات التجديد النصفي عام 2018، حين نشر الجنود من أجل الدفاع عن الحدود مع المكسيك ضد “غزوٍ” من نسج خياله للمهاجرين، رغم أن البنتاغون وافَقَ على ذلك بشكلٍ مُخجِل وقتذاك. 

لن يُنسى، ولن يُغفَر أيضاً، أداء ترامب المثير في ساحة لافاييت، في ذروة الاحتجاجات على مقتل جورج فلويد. لقد استخدم الجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة، لإظهار أنه هو المسؤول. ولاحقاً، اعتذر ميلي عن خلق “تصوُّرٍ عن تدخل الجيش في السياسة الداخلية”. يغذي مثل هذا الاستعداد لإساءة استخدام السلطة الرئاسية المخاوف من “مفاجأة أكتوبر” -أي أمر مفاجئ بشنِّ عمليةٍ عسكرية في الخارج يتم توقيفها من أجل حشد الدعم الوطني. 

تحدَّى قادة البنتاغون رفض ترامب تغيير أسماء قواعد الجيش التي تحمل أسماء جنرالات الكونفدرالية. ويقول الجنرال جيم ماتيس، الذي استقال من منصب وزير الدفاع في 2018، إن ترامب يريد تسييس الجيش من أجل تأجيج نيران الحروب الثقافية الأمريكية، وهو تهديدٌ على الديمقراطية والأمن القومي. وكَتَبَ ماتيس: “دونالد ترامب هو أول رئيس أشهده في حياتي لا يحاول توحيد الشعب الأمريكي، ولا يتظاهر حتى بهذه المحاولة. في المقابل، يحاول تقسيمنا”. 

ويبدو أن سلوك ترامب الغريب ينبع من افتقارٍ إلى فهمٍ للأفكار الأساسية عن الواجب والشرف والولاء والانضباط والتضحية. وفقاً لمحامه السابق، تهرَّب ترامب من التجنيد في حرب فيتنام بادِّعاء إعاقةٍ جسدية، ومن الواضح أنه لا يستطيع فهم سبب أن يخاطر أحدٌ بحياته من أجل بلاده. رغم أنه قد رَفَعَ ميزانية البنتاغون، لكن لأسبابٍ تخدم مصالحه الشخصية. إنه يحب المواكب الكبيرة، ومراسم تقليد الميداليات، والأسلحة القوية، لما تجلبه من مجدٍ ينعكس عليه. 

في يوم الذكرى، الذي يُكرَّم فيه الجنود الأمريكيون الذين قُتِلوا في ساحات المعارك، وبينما كان يزور قبور الجنود الذين لقوا حتفهم في أفغانستان، أُفيدَ أن ترامب سأل قائلاً: “لا أفهم ذلك. ماذا نالوا من ذلك؟”. هذا الجهل غير المفهوم وغير المعقول هو لعنة ترامب. واستنتاجٌ واحد هو الذي يمكن استخلاصه بوضوح، ألا وهو أن ترامب، ذلك الرجل الذي يُشفَق عليه بقدر ما ينهال عليه السباب، غير مؤهَّلٍ لقيادة أقوى دولة في العالم. 

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية.